انا ربيت ابن سفلتي من يوم ماتولد

وفي اليوم اللي بعده، ابني راح لمحاسب قانوني يعرفه، وطلب منه يراجع الأوراق القديمة والإيصالات، وبعدها اتصل بالمستشفى اللي اتولدت فيها، وبدأ يجمع المعلومات المتاحة عن مصاريف الولادة.
وبعد كام يوم، رجع البيت ومعاه نتيجة مراجعة الأوراق.
كان وشه متغير، لكنه المرة دي ما كانش غاضب.
قعد جنبي وقال: ـ ماما، أنا عرفت جزء كبير من الحقيقة، لكن فيه حاجة لسه ناقصة.
سألته: ـ إيه اللي عرفته يا ابني؟
قال: ـ المبلغ اللي كان متسجل باسمي ما كانش كله فلوس نقدية زي ما أبويا فاكر. جزء منه اتصرف فعلًا على علاج أمي، وجزء تاني اتدفع في مصاريفي وأنا صغير، لكن فيه إيصالات باسم شخص تالت، والشخص ده مش أبويا ولا جوزك الله يرحمه.
قلتله: ـ مين الشخص ده؟
طلع ورقة من الملف، وحطها قدامي.
كان الاسم مكتوب بخط واضح، ولما قريته، حسيت إن قلبي وقف لحظة.
لأن الاسم كان اسم شخص من عيلة أبو الولد، شخص طول السنين دي كان بيزورنا من وقت للتاني، وكنت فاكرة إنه بييجي يطمن علينا من باب الواجب.
ابني قال: ـ ماما، أنا مش عايز أتهم حد، لكن لازم أقابله وأسأله عن الإيصالات دي.
وبالفعل، اتصل بالشخص ده، وحدد معاه معاد في اليوم التالي.
لكن قبل المعاد بساعات، حصلت مفاجأة محدش فينا كان يتوقعها.
مرات أبوه اتصلت بابني، وصوتها كان مختلف تمامًا عن كل مرة.
قالتله: ـ أنا عايزة أقابلك لوحدك، من غير أبوك، ومن غير أمك اللي ربتك.
ابني رد بهدوء: ـ لو عندك حاجة تقوليها، تقدري تقوليها قدام الكل.
قالتله: ـ لأ، الكلام ده ما ينفعش يتقال قدام حد. أنا غلطت في حق أمك، ويمكن ظلمتها، بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تقابل الشخص اللي معاه الإيصالات.
ابني اتوتر وقال: ـ إيه هي؟

ردت بصوت مبحوح: ـ الشخص ده مش هو اللي أخد الفلوس لنفسه… هو كان بيحاول يرجعها ليك من سنين، لكن أبوك هو اللي رفض يستلمها!
ابني سكت، وأنا كنت واقفة جنبه وسمعت كل كلمة.
وبعدين سألها: ـ طب ليه أبويا رفض يستلمها؟
ردت: ـ عشان المبلغ ده مش هو السر الحقيقي. السر الحقيقي متعلق بآخر طلب طلبته أمك قبل ما تموت، وأبوك وعدها إنه ينفذه، لكنه ما نفذوش لحد النهارده.
ابني قال: ـ أمي اللي ماتت وهي بتولدني؟ طلبت إيه؟
مرات أبوه سكتت شوية، وبعدها قالت: ـ أمك قبل ما تموت، كانت عارفة إن صحتها مش كويسة، وطلبت من أبوك إنه لو حصل لها حاجة، ما يخليش حد يحسسك إنك السبب في موتها، وإنه يحافظ على صلتك بأهلها… لكن فيه طلب تاني، محدش يعرفه غير أبوك والشخص اللي هتقابله بكرة.
قفلت المكالمة، وابني فضل باصص للتليفون وهو مش قادر يستوعب.
أما أنا، فكان عندي إحساس إن الحكاية لسه ما خلصتش، وإن فيه حقيقة تانية ممكن تقلب كل اللي عرفناه.
وفي اليوم التالي، راح ابني يقابل الشخص اللي اسمه موجود على الإيصالات، وأنا كنت مستنياه يرجع بفارغ الصبر.
لكن لما رجع، دخل البيت وهو ماسك ظرف أبيض قديم، وقاللي:
ـ ماما، الراجل حكى لي كل حاجة، واداني جواب مكتوب بخط إيد أمي الحقيقية… جواب اتكتب قبل وفاتها بأيام.
بصيت له بدموع وقلت: ـ طب افتحه يا ابني، يمكن نعرف هي كانت عايزة إيه.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ أول سطر، وفجأة وقف عن القراءة، ورفع عينه ليا.
وقال بصوت متقطع:
ـ ماما… أمي الحقيقية كانت تعرف عنك حاجة قبل ما أموت، وكتبت في الجواب إنها عايزة تقابلك بنفسها، وإنها اختارتك إنتي بالذات عشان تكوني أمي لو حصل لها حاجة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *