انا ربيت ابن سفلتي من يوم ماتولد
مرات أبوه ردت بسرعة: ـ وإحنا قلنا إيه؟ إحنا بس عايزين كل حاجة ترجع لطبيعتها، وأبوك يبقى له مكانه في حياتك.
ابني قال: ـ مكانه موجود، وأنا اللي هحدد شكل علاقتي بكل واحد فيكم على أساس الاحترام، مش على أساس مين يزعق أكتر.
أبوه اتدخل وقال: ـ إنت بتتكلم معانا بالطريقة دي ليه؟ إحنا أهلك، وإحنا عايزين مصلحتك.
رد ابني: ـ وأنا عارف إنكم أهلي، وعشان كده جيت أتكلم معاكم بدل ما أبعد. بس أنا عندي سؤال واحد: ليه لما كنت طفل، ما كنتوش عايزين وجودي في حياتكم، ودلوقتي لما بقيت دكتور وناجح، بقيتوا عايزيني أرجع وأعيش معاكم؟
مرات أبوه اتعصبت وقالت: ـ هو إنت هتفضل تعايرنا بالماضي طول عمرك؟ ما إنت كنت عايش في بيت كويس، واتربيت أحسن تربية!
ابني رد عليها: ـ أنا مش بعاير حد، أنا بس بقول الحقيقة. واللي رباني عمره ما عايرني يوم بتعبه، ولا حسسني إني حمل تقيل عليه.
أبوه ضرب بإيده على الترابيزة وقال: ـ كفاية! أنا أبوك، ومش هسمح لك تتكلم معانا كده!
ابني سكت لحظة، وبعدها قال بهدوء: ـ وأنا ابنك، وعمري ما أنكرت ده. بس أنا مش هقبل إنك تستخدم كلمة أبوك عشان تجرح الست اللي شالتني مكان أمي.
مرات أبوه قامت من مكانها وقالت: ـ خلاص، طالما إنت شايف إن الست دي أهم من أبوك، يبقى اعمل اللي إنت عايزه، بس ما تجيش يوم تحتاجنا وتفتكر إن ليك أهل!
ابني قام هو كمان، وقال: ـ أنا عمري ما هتخلى عن أبويا، لكن مش هسمح لحد يهين أمي. ولو ده شرطكم عشان تكونوا في حياتي، يبقى المشكلة مش عندي.
أبوه بص له بغضب، وبعدها بصلي وقال: ـ إنتي السبب في كل ده، إنتي اللي خليتيه يتمرد علينا!
أنا كنت هرد، لكن ابني سبقني وقال: ـ لأ يا بابا، محدش خلاني أتمرد. أنا اتعلمت منها إزاي أحترم الناس، حتى لما بيغلطوا في حقي. ولو كنت عايزني أقرب منك، كان ممكن تبدأ بأنك تحترمها.
وفجأة، أبوه بص للملف اللي كان ابني حاطه على الترابيزة، واتغير لون وشه.
قال بصوت واطي: ـ إنت لسه محتفظ بالورق ده؟
ابني رد: ـ أيوه، ولسه عايز أفهم الحقيقة.
مرات أبوه بصت لجوزها وقالت: ـ إنت قلتلي إن الورق ده ضاع من زمان!
هنا أنا حسيت إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي.
أبوه قام بسرعة، ومد إيده ياخد الملف، لكن ابني سحبه ناحيته وقال: ـ لأ يا بابا، المرة دي مش هسيبك تمشي قبل ما تجاوبني. مين اللي دفع مصاريف الولادة؟ وليه فيه ورقة عليها توقيع عمي الله يرحمه؟ وإيه حكاية الصورة اللي إنت واقف فيها جنبه وهو شايلني؟
أبوه فضل ساكت، ومراته بدأت تتوتر، وبعد لحظات قالت: ـ خلاص يا فلان، قوله الحقيقة، يمكن لما يعرف يرتاح ونخلص من الموضوع ده!
بص لها بصدمة وقال: ـ إنتي عايزاني أقول له دلوقتي؟!
ردت عليه: ـ أيوه، كفاية لحد كده!
أنا قعدت مكاني، مش قادرة أستوعب اللي بيحصل.
ابني بص لأبوه وقال: ـ أنا مستعد أسمع أي حاجة، بس مش مستعد أعيش طول عمري وأنا مش عارف الحقيقة.
أبوه حط إيده على وشه، وفضل ساكت وقت طويل، وبعدها رفع عينه لابنه وقال:
ـ الحقيقة يا ابني إنك لما اتولدت، أنا كنت في حالة صعبة جدًا، وأمك كانت تعبانة، وبعد وفاتها أنا ما كنتش قادر أتحمل مسؤوليتك لوحدي. وعمي الله يرحمه، اللي هو جوز أمك اللي ربتك، هو اللي عرض يساعدني، وأنا وافقت.
ابني قال: ـ ده أنا عارفه، إيه الجديد؟
أبوه بلع ريقه وكمل: ـ الجديد إن فيه اتفاق حصل بيني وبين عمي، وأنا وافقت عليه، لكن بعد كده ما قدرتش أنفذه.
سألته: ـ اتفاق إيه؟
بصلي للحظة، وبعدها قال: ـ كان فيه اتفاق إن الولد يفضل عندكم لحد ما يكبر، وإننا نساعد في مصاريفه، لكن أنا قصرت، ومراتي كانت رافضة وجوده عندنا، وكل ما كنت أفكر آخده، كانت تحصل مشاكل في البيت.
مراته صرخت: ـ إنت هتحطني أنا السبب في كل حاجة؟! ما إنت اللي كنت بتقول إنك مش عايز مشاكل بين أولادك!
ابني قال بحزن: ـ يعني إنتوا كنتوا عارفين إني محتاج لكم، وفضلتوا سايبيني؟
أبوه ما ردش.
لكن ابني رجع فتح الملف، وطلع ورقة تانية، وقال: ـ طب والورقة دي؟ دي مش مجرد اتفاق تربية، دي ورقة مكتوب فيها إن فيه مبلغ اتحط باسمي من يوم ما اتولدت، وإن المفروض يتصرف عليه في تعليمي ومصاريفي!
أبوه اتصدم، ومراته بصت له بحدة.
ابني كمل: ـ أنا مش فاهم المبلغ ده راح فين، ولا ليه مفيش أي دليل إنه اتصرف عليا. أنا مش بتكلم عن فلوس عشان آخد حاجة من حد، أنا بتكلم عن حق كان المفروض يبقى ليا، وعن حقيقة اتخبت عني.
أبوه حاول يتكلم، لكن مراته سبقته وقالت: ـ الفلوس دي اتصرفت من زمان، وما كانش فيها حاجة غلط!
بص لها ابني وقال: ـ إنتي عرفتي منين؟!