انا ربيت ابن سفلتي من يوم ماتولد

ـ ربنا يبارك لك يا بنتي، ويجعل بيتك مليان حب ورحمة.
وبعدين طلعت من شنطتي علبة صغيرة، وفتحتها قدامهم.
كان جواها دبلة وخاتم كنت اشتريتهم لابني من مدخراتي.
قلتله:
ـ خد يا حبيبي، دول كنت مجهزاهم ليك من يوم ما قلتلي إنك بتحب البنت. كنت عايزاك تلبسهم وإنت فرحان، من غير ما يكون في قلبك أي زعل.
ابني أخد العلبة وباس راسي وقال:
ـ ربنا يخليكي ليا يا ماما، بس أنا عندي هدية ليكي إنتي كمان.
استغربت وقلت:
ـ هدية إيه يا ابني؟ أنا مش عايزة حاجة.
طلع من جيبه ورقة، وناولها لي.
كانت ورقة حجز عند محامٍ، لمراجعة إجراءات توثيق هبة الشقة ليه بالطريقة القانونية السليمة، مع ضمان حقي في السكن والانتفاع بيها طول حياتي، لو ده اللي أختاره وأوافق عليه.
قال:
ـ أنا عارف إن الشقة ملكك، وإنك كنتي ناوية تديهالي من حبك، لكن أنا مش عايز آخد منك حاجة تخليكي تحسي في يوم إنك فقدتي أمانك. لو قررتي تنقلي الملكية ليا، يبقى ده برضاكي وبشكل يحفظ حقك، ولو ما كتبتيهاش، هفضل ابنك برضه.
أنا ما قدرتش أتكلم من كتر العياط.
قلتله:
ـ يا ابني، إنت كده رديتلي عمري كله، مش بهدية ولا بورقة، لكن بقلبك اللي لسه فاكر إن أمه لازم تكون مطمنة.
أبوه كان قاعد ساكت، وبعدها قال:
ـ أنا كنت فاكر إن الفلوس والشقة هما اللي هيخلوا ابني يختار بيننا، لكن دلوقتي فهمت إن اللي بيبني مكانه في القلب هو الحب والمواقف.
مراته بصتلي وقالت:
ـ ربنا يقدرني وأصلح اللي فات، وأتمنى تسمحيلنا نبدأ صفحة جديدة.
قلت لها:
ـ أنا موافقة نبدأ صفحة جديدة، لكن أهم حاجة إننا ما نرجعش نجرح بعض تاني، وإن ابني يفضل عايش حياته من غير ما يحس إنه لازم يرضي طرف على حساب طرف.

—
يوم الفرح
جه يوم الفرح، وكنت واقفة في أوضتي بلبس فستاني، وببص في المراية، وحاسة إن جوزي الله يرحمه كان المفروض يكون واقف جنبي.
دخل ابني عليا، وكان لابس بدلته، وقرب مني وقال:
ـ إيه يا ماما؟ لسه هتعيطي؟
ضحكت وقلتله:
ـ أعيط من الفرحة يا حبيبي، ولا من الزعل إنك هتتجوز وتسيبني؟
ضحك وقال:
ـ أنا هتجوز، مش هسافر المريخ! وبعدين إنتي اللي هتختاريلي أكل البيت، وإنتي اللي هتفضلي تقوليلي خد بالك من مراتك، ونام بدري، وما تتأخرش في الشغل!
ضحكت من قلبي، وقلتله:
ـ ربنا يسعدك يا ابني، ويجعل بيتك مليان بركة.
مد إيده ليا وقال:
ـ يلا يا أمي، الناس مستنيانا.
خرجنا سوا، وأبوه كان واقف مستنينا عند باب القاعة.
قرب منه ابني، وسلم عليه، وبعدها مد إيده التانية ليا.
ودخلنا التلاتة مع بعض.
في اللحظة دي، حسيت إن ربنا عوضني عن كل دمعة نزلت مني، مش لأن كل اللي حصل اتنسى، لكن لأن ابني عرف الحقيقة، وأبوه اعترف بتقصيره، وأنا ما خسرتش ابني ولا اضطرّيته يختار بين قلبين.
ولما المأذون خلص، والناس بدأت تزغرد، ابني مسك الميكروفون وقال:
ـ قبل ما أبدأ حياتي الجديدة، عايز أقول كلمة. أنا عندي أم ولدتني، ربنا يرحمها، وأم تانية ربتني وعلمتني وعاشت عمري كله عشاني. أمي اللي ربتني عمرها ما قالتلي إنت مش ابني، ولا حسستني إني حمل عليها، وأنا النهارده عايز أقولها قدام الناس كلها: إنتي أمي، وهتفضلي أمي طول عمري.
القاعة كلها صفقت، وأنا عيطت زي الأطفال.
وبعدين قال:
ـ وفي نفس الوقت، أنا مش بنكر أبويا، ولا عايز أحرم نفسي منه. أنا بس اتعلمت إن الأبوة والأمومة مش مجرد أسماء، دي مسؤولية ورحمة ومواقف.
أبوه قام من مكانه، وحضني قدام الناس وقال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *