انا ولده ابني متوفي من 45يوم

بعد أيام من دفــ,,ـــــن أحمد، ورجوعي لبيتي ومعايا ابني يوسف، حسيت إن البيت اللي كان مليان ذكريات وجع وقهر، بقى أخيرًا هادئ. العزاء خلص، والناس مشت، وفضلت لوحدي مع ابني في دنيا جديدة كليًا. كأن الحياة بعد كل العاصفة دي فتحت لي باب واسع أوي من النور والسكــ,,ـــــينة.

أهلي مكنوش بيسيبوني لحظة؛ أمي كانت بتيجي تقعد معايا بالساعات، وأخويا كان بيطمن علينا كل يوم، ويجيب ليوسف كل اللي نفسه فيه كأنه أبوه التاني مش خاله وبس. يوسف كان بيكبر قدام عيني بسرعة، وكل ضحكة منه كانت بتثبت لي إن ربنا بجد كريم، وإن عوضه لما بيجي بينسي الواحد أي مرارة داقها في عمره.

في يوم، كنت قاعدة بقلب في صندوق قديم فيه حاجات تخصني من زمان، لقيت فيه دفتر قديم أوي كنت بكتب فيه خواطري وأنا لسه طالبة في الجامعة، قبل ما اتعرف على أحمد، وقبل ما أعرف يعني ايه وجع ولا فراق.

فتحت الدفتر ولقيت أول ورقة مكتوب فيها بخط إيدي: «مهما ضاقت السبل، ومهما كثرت الهموم، فجر الله قريب، ورحمته أوسع من كل أحلامنا».قعدت أبتسم لنفسي وأنا بفتكر إزاي كنت صغيرة وبسيطة، وإزاي السنين علمتني وقوتني. صممت إني أفتح صفحة جديدة حقيقية مش بس في مشاعري، لأ، في حياتي كلها.

قررت إني أرجع أكمل دراستي وتدريبي في المجال اللي بحبه، وإن يوسف يكون ليه أم قوية ومستقلة، تقدر تربيه وتخليه راجل صالح يفتخر بيا. نزلت أول خطوة وطلعت أوراقي عشان أسجل في إحدى الكورسات التدريبية اللي كنت مأجلاها من سنين طويلة.

في الأول حسيت بخوف ورهبة، كأني خارجة من زنزانة مظلــ,,ـــــمة ورايحة لنور الشمس القوي، بس الدكتورة المسؤولة عن التدريب كانت ست طيبة جداً، شجعتني وقالت لي كلمات نزلت على قلبي زي البلسم: «يا بنتي، الست القوية مش اللي مبتبكيش، الست القوية هي اللي بتقع وتتكسر، وبعدين تلم شتات نفسها وترجع تقف على رجليها من تاني أحسن من الأول».

الكلمات دي كانت الشعلة اللي كنت محتاجاها. انتظمت في دراستي وتدريبي، وبقيت أقسّم وقتي بين بيتي، وتربية يوسف، وطموحي اللي نسيه الزمن. كنت بروح الكورس الصبح، وأرجع على الظهر ألاقي يوسف مستنيني بضحكته البريئة، أشيله وأنسى تعب العالم كله في حــ,,ـــــضنه.

مع مرور الأشهر، حسيت إني بقيت إنسانة ثانية. الوجع القديم مبقاش يوجع زي الاول، بقى مجرد درس قاسي اتعلمت منه، وبقى ذكرى ليمتحن الله فيها صبري وصدق يقيني. بقيت أشوف نفسي في المراية فأسعد باني قدرت أعدي المحنة دي من غير ما أفقد عقلي ولا إنسانيتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *