انا ولده ابني متوفي من 45يوم

البخت في أواخره، حالته حرجة جداً وضغطه واقع، لو هتدخلوا تشوفوه يبقى بكلمات معدودة وفي أسرع وقت. دخلت لوحدي، وسيبت يوسف مع عمته بره. الأوضة كانت ظلام إلا من نور الأجهزة اللي بتبرق في وش أحمد. قربت من السر,,ـــــير ببطء، وشايل رجلي كأنها مش شايلاني. بصيت له.

. مكنش هو أحمد اللي عرفته زمان؛ كان هريان تعب ودموع، ووشه أصفر وشعره أبيض قبل أوانه، والأنبوب الطبي محطوط في بوقه وأنفه. لما حس بوجودي، فتح عيونه ببطء شديد، وطلع صوت خافت من صدـ,,ـــره كأنه بيتلجلج، ودموع نزلت على خدوده:— أم.. أم يوسف.. جيتي؟

قعدت على الكرسي جنب السر,,ـــــير، وبصيت له بعيون مليانة دمع بس من غير قسوة ولا كره. حسيت إن المــ,,ـــــوت بيصغر أي وجع بشري، وإن الحساب الحقيقي مش هنا. سألته بصوت مهتز:— جيت يا أحمد.. سامعك، قول اللي عندك.

رفع إيده بتعب شديد، وشد إيدي بحركة ضعيفة كأنه بيستنجد بيها، وقال بصوت مكتوم بيتقطع:— سامحيني.. أرجكي سامحيني.. أنا عارف إن اللي عملته مش بيغتفر، وإن ذنبي في حق ابني وفي حقك أكبر من السما.. أنا عشت في سجــ,,ـــــن بره وسجــ,,ـــــن جوه.. عذاب الضمير كان بياكل في روحي كل ثانية.

. عذاب الضمير كان بياكل في روحي كل ثانية. . كل ما أبص لشكلي ألاقي نفسي أنا السبب في ضياع كل حاجة حلوة.. أنا أسف.. سامحيني عشان أقدر أمــ,,ـــــوت مرتاح!الكلمات نزلت على قلبي زي المطر البارد اللي طفى نــ,,ـــــار سنين.

بصيت لعيونه اللي كانت مليانة رجاء وندم حقيقي، ولقيت نفسي بقول بصوت هادئ رغم رجفته:— مسامحاك يا أحمد. . مسامحاك عشان قلبي ما يشيلش حقد، وعشان ربنا يغفر لك زي ما أنا بحاول أنسى وأعيش.. بس ارتاح يا أحمد، سيب القضاء ياخد مجراه عند ربنا.

لما سمع كلمة “مسامحاك”، حسيت برعشة خفيفة سرت في جسمه، وابتسامة صغيرة ضعيفة ظهرت على شفايفه المزرقة، ودموعه نزلت بغزارة. أخد نفس طويل، طويل جداً.. وبعدها، شاشات الأجهزة اللي جنبه ابتدت تصدـ,,ـــر صوت واحد متصل وثابت. خط خط مستقيم. الدكتور والممرضين دخلوا بسرعة، بس كان الأوان قد فات.

روح أحمد طلعت لبارئها وهو سامع كلمة السماح اللي كان بيمــ,,ـــــوت عشان يسمعها. وقفت بصة أخييرة عليه، حسيت إن صفحة طويلة وقاسية وتقيلة أوي من حياتي اتقفلت للأبد. خرجت من الأوضة، مسكت إيد ابني يوسف، ومشيت خارج المستشفى، وأنا حاسة إن الهوا بقى أخف، وإن بكرة بيبتدي بنور جديد وسلام حقيقي ملاهش نهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *