رجعتلك يابابا وانا مطلقه وهو متجوز عليه

توالت الأيام والسنوات، واستقرت سنن العدل في أركان تلك الحارة القديمة والمدينة بأسرها. لم تعد قصة تلك الفتاة مجرد حكاية حارة تُحكى في المجالس، بل أصبحت رمزاً حياً يعلمه الآباء لأبنائهم؛ كيف أن المروءة والكرامة لا تسقط بالظلم، وكيف أن الله يرفع الصابرين ويزيدهم رفعة وشرفاً.
أصبحت الفتاة الآن في ذروة نضجها ونجاحها، تدير مؤسساتها وتوسع مشاريعها الخيرية والتجارية داخل البلاد وخارجها. كان زوجها المهندس يحيطها بأعلى درجات التقدير والدعم، يرى فيها السند والرفيقة والشريكة التي ملأت حياته بركة وهناء. أما أطفالها فقد كبروا في بيئة صالحة، ينهلون من أخلاق جدهم الشهم الذي علمهم أن الحق لا يُعلى عليه، وأن كرامة الإنسان هي أغلى ما يملك.
في أحد أيام الخريف الهادئة، قررت الفتاة وأخوها تنظيم حفل تكريم كبير لوالدهما الذي بلغ من العمر عتياً، حفل جمع أعيان المنطقة، وكبار الشخصيات، وكل من شهد يوماً على الوقفة الشريفة التي وقفها الأب لحماية ابنته. كان الأب يجلس في صدر القاعة الفخمة كالملك الموّج، وحوله أحفاده وبنته التي غطت كتفيه بعباءة فاخرة، تقبّل رأسه ويديه أمام الجميع وتقول بصوت أثاره التأثر:
* “هذا هو الرجل الذي لم يفرط فيّ يوم كسرني العالم.. هذا هو السند الذي أرجعتني قبضة يده إلى الحياة.”
صفق الجميع وتأثر الحاضرون بهذا المشهد الذي يفيض بالنبل والمحبة، وتداول الناس صور هذا التكريم في كل مكان، ليكون شهادة حية على أن الطيبات للطيبين وأن من حفظ أمانة الله حفظه الله في كبره وأقر عينه بأولاده.
على الجانب الآخر، وفي زاوية معتمة من أزقة الحارة القديمة، كان عمرو يعيش أيامه الأخيرة في صراع أليم مع المرض والندم. لم يعد قادرًا حتى على الخروج لتأمين قوته اليومي. كان يجلس في غرفته الضيقة تحت السلم، يسعل بشدة ويمسك بيده صحيفة قديمة طبعت عليها صورة التكريم الكبير للأب وابنته.
كان ينظر إلى وجه الفتاة المشرق بالرضا والأمل، وإلى الأب الذي هزم جبروته يوماً بحذائه وحقه الشريف، ثم ينظر إلى جدران غرفته المتشققة وإلى جسده الهزيل الذي أكلته الأمراض. تعالت شهقاته بالبكاء في ظلام الليل، بكاء مرير لم ينفعه، فقد أدرك أنه لم يخسر فقط امرأة صالحة كانت تطعمه من عرقها، بل خسر دينه، ومروءته، ودنياه، وآخرته.
مرت الأيام وساءت حالة عمرو صحياً حتى أصبح عاجزاً عن الحركة تماماً. وفي موقف يجسد قمة الإنسانية والنبل، عندما علمت الفتاة عبر مؤسستها الخيرية بأمر رجل مريض ومعدم يعيش في غرفة أسفل السلم بالحي القديم دون أن تعلم في البداية من يكون، أرسلت فريقاً طبياً ورعاية كاملة له. وعندما اكتشف الفريق أنه عمرو، رفعت الأمر إليها.
لم تردد الفتاة لحظة واحدة، ولم تسعَ للانتقام أو الشماتة، بل أمرت بتقديم كافة العلاجات والرعاية الصحية له على نفقة مؤسستها، قائلة لزوجها بثبات ويقين:
* “الله هو الذي يقتص، ونحن لا نقابل الإساءة إلا بالإحسان.. دع العلاج يصل إليه، ليعلم أن الكف التي طردها يوماً هي نفسها الكف التي تمد له يد الرحمة وهو في أضعف حالاته.”
وصلت الرعاية إلى عمرو وهو على فراش المرض، وعندما علم أن العلاج والدواء والأكل الذي يصل إليه هو بفضل الفتاة التي ظلمها وضربها وطردها حافية في منتصف الليل، انهمرت دموعه كالسيول على خديه المجعدين. اعتصر قلبه خجلاً وندماً، وتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتعه قبل أن يرتقي إلى هذا الحد من الصغار أمام كرمها ورفعتها.
جلس عمرو على فراشه يرجف، يرى بأم عينيه كيف رفعها الله وأعزها بأصلها ونبلها، وكيف وضع كبرياءه تحت قدميها، ليعيش ما تبقى من عمره يقتات على إحسانها، ويحمل على كاهله ذنباً ثقيلاً لا يمحوه الزمان.
استقرت الأيام وسارت السنون في مجراها المحتوم، حاطةً رحالها عند الفصل القبل الأخير من هذه الملحمة التي شهدت على أن الظلم مهما تطاول سقف بنيانه، فإنه يهوي على رأس صاحبه في النهاية، وأن الحق كالشمس لا يحجبه بغيٌ ولا يُطفئ نوره ظالم.
بلغت الفتاة أعلى مراتب النجاح الإنساني والعملي؛ أصبحت مؤسستها الإغاثية والمهنية ملاذاً لكثير من النساء المكسورات، وأمسى اسمها يتردد في المحافل كرمز للشهامة والصبر والإرادة الصلبة. عاشت في بيتٍ يتضوع بالحب والدفء، يحيطها زوجٌ شريف لا يرى سعادته إلا في رسم الابتسامة على وجهها، وأبناءٌ نبتوا في أرضٍ طيبة، فكانوا بارّين بوالديهم وبجدهم الذي ناهز الثمانين من عمره، ذاك الشيخ الجليل الذي ما زال يجلس بين أحفاده برأسه المرفوع وشيبته المباركة، يرى فيهم ثمرة وقفته الشجاعة يوم دفاعه عن كرامة بنته المظلومة.
أما عمرو، فقد وصل إلى المحطة الأخير من الذل والانكسار؛ إذ نهكه المرض بالكامل، وفقد القدرة على الحركة، وأصبح قابعاً في غرفته المظلمة أسفل السلم، لا يتنفس إلا بصعوبة، ولا يقتات إلا من وجبات الرعاية والعلاج التي كانت تصل إليه بانتظام من المؤسسة الخيرية التي تملكها الفتاة، دون أن يجرؤ على النظر في وجوه شباب الخدمة الذين يدخلون عليه كل صباح بالأكل والدواء.
في ليلة شتوية قارسة، أخذ السعال يعتصر جسد عمرو الهزيل، وشعر بأن أنفاسه تثقل وأن نهايته قد دنت. لم تكن آلام المرض هي ما تمزق حشاشته، بل كان شريط الذكريات الذي يمر أمام عينيه كشريط من النار: تذكر ليلة طردها، تذكر صوت بكائها ونشيجها وهي تشحت حجاباً من الجارة، تذكر كيف بائسًا كان وجهها وهي تخفي انكسارها، وكيف كان هو يضحك بجبروت مع زوجته الجديدة التي سرعان ما خدعته ودمرت حياته. تذكر ضربة حذاء والدها على وجهه أمام الشارع، وكيف كسر كبرياءه الكاذب تحت أقدام الأهالي.
أحس عمرو بوطأة الذنب تخنقه أكثر من المرض، ورغب رغبة يتيمة وأخيرة في أن يستريح عقله من هذا العذاب قبل أن يواجه وجه ربه. جمع ما تبقى له من قوة خائرة، ورجا المشرف الطبي المتابع لحالته من المؤسسة أن يوصل رسالة إلى الأب وابنته، يترجاهما فيها أن يأتيا إليه لمرة واحدة وواحدة فقط، ليطلب منهما الصفح والغفران قبل أن يفارق الحياة.
عندما وصلت الرسالة إلى البيت، كان الأب يجلس في الصالة وبجانبه بنته وزوجها. ساد الصمت لثوانٍ طويلة، ونظرت الفتاة إلى أبيها بوقار. قال الزوج بنبل:
* “القرار لكِ ولعمي.. الله عز وجل يقتص، والانتقام ليس من طبع الكرام.”
نظر الأب الشائخ إلى بنته بنظرة مليئة بالحكمة والرحمة التي أورثها إياها، وقال بصوت خافت أثقله الكبر:
* “يا بنتي.. ربنا أعزنا ورفعتنا عنده وعند الناس، والظالم لما يطيح ويستجديكِ الصفح وهو على فراش الموت، بتكون أقصى عقوبة ليه إنه يشوف الرحمة في عين اللي ظلمه. لو عايزة تروحي، أنا معاكي.”
في اليوم التالي، دخلت الفتاة برفقة والدها وزوجها إلى تلك الغرفة الضيقة المظلمة تحت السلم. كانت المرة الأولى التي تطأ فيها قدمها هذا المكان الحقير. عندما فتح عمرو عينيه الغائرتين ورآها تقف كالأميرات بثيابها النظيفة ووجهها المشرق بالنور، وبجانبها الأب الهرم المرفوع الرأس، والزوج الشريف الذي يصونها، انهمرت الدموع من عينيه كالسيل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *