رجعتلك يابابا وانا مطلقه وهو متجوز عليه

خرج عمرو من بوابة العمارة وعلى وجهه ابتسامة هازئة، يسحب في يده زوجته الجديدة التي كانت تكبره بسنوات، غير مبالٍ بحجم المأساة التي تسبب فيها. وقفت الأمور عند هذا الحد لثوانٍ قبل أن يتكهرب الجو تماماً، وتتجه أبصار الجيران المعلقة في الشارع نحو عمرو الذي قال ببرود استفزازي:
* جرى إيه يا راجل يا كركوبة؟ جاي تعمل لنا زفة قدام العمارة؟ بنت هي اللي ما عرفتش تصون بيتها ولا تعرف الأصول، وأنا راجل حُر أتزوج اللي يعجبني وأطرد اللي ما يملأش عيني!
لم يكمل عمرو جملته حتى انهال عليه والد الزوجة بحركة سريعة وجريئة لم يتوقعها أحد؛ ضربة موجعة بحذائه ثقبت كبرياء عمرو وزلزلت وقفته أمام الجيران قاطبة. سقط عمرو على الأرض يحاول استرداد أنفاسه وسط ذهول الجميع وصراخ زوجته الجديدة. حاول والد عمرو التدخل ورفع صوته محذراً:
* أنت اتجننت يا أبو فلان؟ تمد إيدك على ابني في شوارعنا وقدام ناسنا؟
رد عليه والد المطلقة بصوت كالرعد هزّ أركان الشارع:
* ابنك مش راجل عشان أحترمه ولا أعمل حساب لبيته! ابنك حرامي أكل عرق بنتي وذهبها، طردها بالليل بجلابية بيتها ومن غير حافية ولا طرحة تستر رأسها! الشرف والأصول اللي بتتكلم عنهم غسلنا إيدنا منهم يوم ما دخل بيتكم الشريف! وأنا مش ماشي من هنا إلا لما أخد حق بنتي ناضر وناشف قدام الشارع كله!
تجمع كبار المنطقة وحكماء الحارة على أثر الجلبة. تعالت الأصوات وتدخل بعض الأفاضل لتهدئة الموقف، لكن والد الزوجة رفض حركة الصلح الشفهية أو الدخول للبيوت للتستر على المهزلة. أصر على أن يتم فتح شقة الابن فوراً بحضور حكماء الشارع ليطلع الجميع على العار الذي وقع؛ حيث وُجدت متعلقات البنت وذهبها المسروق ورخص العمل التي كانت تصرف منها على البيت.
أمام ضغط الجيران وتهديد الوالد بإبلاغ الشرطة فوراً بتهمة السرقة والاعتداء وتبديد مؤخر الصداق وقائمة المنقولات، اضطر والد عمرو لإنزال رأسه خجلاً من أفعال ابنه النذل، وقال بصوت خافت هربت منه كل نبرات الكبرياء:
* حقك عليّ يا أبو فلان.. كل اللي بنتك سابته هيرجع لها لحد باب بيتها، والمؤخر والقائمة هيوصلوك كاملين مكملين من غير قضية ولا محاكم.
رد عليه الوالد بنظرة ثاقبة وهو يشير إلى عمرو الملقى على الأرض يخفي وجهه من خزي النظرات حوله:
* حق بنتي المالي هتاخده بالقانون والأصول، أما حق كرامتها ودموعها اللي نزلت على فرشتها، فربنا كفيل يجيبه منه أضعاف مضاعفة.. وعمرو ده من اليوم ده مالوش عين يمشي في الحارة دي وراسه مرفوعة.
رجع الأب إلى بيته بخطوات ثابتة، دخل الباب ليجد بنته ما زالت تجلس في أحضان أمها تنشج بالبكاء. جثا على ركبتيه أمامها، وأمسك يديها الصغيرتين بين يديه الدافئتين وقال بنبرة ملؤها الحنان والقوة:
* ارفعي رأسك يا ضنايا.. حقك جه لحد عندك، واللي افتكر إنه كسرِك بالقرشين والضرب، أخد أردأ درس في حياته قدام الشارع كله. بيتك ومكانك هنا فوق رأسنا، ومن اليوم ده ما فيش دمعة واحدة تنزل من عينك على واحد ما يسواش.
مرّت الأيام الأولى صعبة على البيت، كان الهدوء فيها أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة. كانت البنت تجلس في غرفتها القديمة، تنظر إلى جدرانها التي شهدت طفولتها وضحكاتها قبل أن تخوض تلك التجربة المأساوية. كلما تذكرت كيف كانت تجوع وتعمل ليل نهار لتطعم رجلاً لم يحفظ جميلها، وكيف انتهى بها المطاف مطرودة في منتصف الليل بلا حجاب ولا حذاء، كانت غصة المهانة تخنقها. لكن وجود أمها بجانبها وهي تطعمها بيديها وتبخر غرفتها، وحنان أبيها الذي كان يدخل عليها كل مساء يحمل ما تحبه من أكل وحلويات وكأنها طفلة صغيرة، بدأ يرمم ما انكسر في روحها شيئاً فشيئاً.
أما في الشارع والمناطق المجاورة، فكانت الفضيحة قد أكلت الأخضر واليابس. لم يعد لعمرو ولا لأبيه وجه يواجهون به الناس. الجيران الذين شهدوا الواقعة أصبحوا يشاركون القصة في كل مجلس، وتداول الجميع كيف أن الأب الشريف وقف دفاعاً عن كرامة بنته وأخذ حقها أمام الأعيان. أصبح عمرو كلما خرج من عمارته ينكس رأسه إلى الأرض، متجنباً نظرات الإزدراء والهمسات التي تلاحقه من شباب الحارة وكبارها: “اهو ده اللي طرد مراته عشان يتجوز واحدة أكبر منه ومشى يشحت على عرقها”.
لم تدم الزيجة الجديدة لعمرو طويلاً؛ فالزوجة الجديدة التي جلبها لتنام على فرشة البنت المظلومة، لم تكن سوى امرأة طماعة استغلت ضعفه وقلة حيلته. ما هي إلا أسابيع قليلة حتى بدأت المشاكل تدب بينهما، واكتشفت أنه بلا مال ولا نفوذ، وأن كل ما كان يتباهى به كان من تعب زوجته الأولى وعرقها. تحولت الشقة التي شهدت ظلم البنت إلى ساحة للمعارك اليومية والصراخ الذي كان يسمعه الشارع بأكمله، حتى قامت الزوجة الجديدة بضرب عمرو وطرده من الشقة بنفس الطريقة التي طرد بها زوجته الأولى، بل واستولت على أثاث البيت وممتلكاته وشردته.
في هذه الأثناء، كان والد البنت يعمل مع محامٍ يتقي الله لاسترداد كافة الحقوق القانونية. لم يكتفِ الأب بما حدث في الشارع، بل أصر على أن يحصل على قائمة المنقولات كاملة، ومؤخر الصداق، ونفقة المتعة والمتعة المؤخرة، وكل قرش دفعه في جهاز بنته. عندما جاء موعد الجلسة في المحكمة، حضر عمرو وهو بحالة مزرية، ملابسه رثة، ووجهه يملأه الانكسار والخزي، بعد أن فقد عمله بسبب سمحته التي تلطخت وفقد زوجته الجديدة وشقته.
وقف الأب أمام القاضي بثبات، وبجانبه ابنه الشاب الذي كان قد عاد من السفر فور علمه بما حدث لأخته، وحضرت البنت وهي ترتدي ثياباً أنيقة، مرفوعة الرأس، يحيط بها سور من حماية أهلها. عندما رأى عمرو البنت بهذا الشموخ وهي لم تعد تبكي ولا تتوسل، شعر بحجم النعمة التي فرط فيها والهاوية التي أسقط نفسه فيها. حاول أثناء استراحة الجلسة أن يقترب من الأب ويتوسل إليه بصوت متقطع:
* يا حاج.. أنا أخطأت في حقك وحق بنتك، والشيطان أغواني، أنا مستعد أرجعها وأكتب لها الشقة باسمها وأبوس جزمتها قدام الشارع كله، بس بلاش تخربوا بيتي وترموني في السجن!
نظر إليه الأب بنظرة إزدراء شديدة، ولم يسعفه لسانه إلا بكلمات قليلة صنعت فارقاً في قلب بنته التي كانت تستمع:
* أنت فاكر إن بنتي سلعة نبيعها ونشتريها؟ بنتي لما جاتلي مكسورة، أنا جالي حقها وقومتها على رجليها. أنت خلاص انتهيت من حياتنا، والقرش اللي سرقته هيخرج من عينك بالقانون. اللي يفرط في أمانة ربنا ما يترجاش فيه خير، وعمر الشبعان ما يرجع لحثالة الرجالة.
أصدر القاضي حكماً لصالح البنت بكافة حقوقها المالية، وإلزام عمرو بدفع المبالغ كاملة أو مواجهة عقوبة السجن. خرجت العائلة من المحكمة مرفوعة الرأس، وشعرت البنت لأول مرة منذ سنوات بأن كابوس المهانة قد انتهى للأبد، وأن حقها لم يضيع، بل عاد إليها كاملاً وزيادة.
رجعت إلى بيتها، وأغلقت باب الماضي خلفها، وبدأت تخطط لاستكمال دراستها وتكبير عملها الخاص الذي تحبه، محاطة بحب أمها ودعم أبيها وأخيها، منتظرة ما يخبئه لها القدر من أمل وحياة جديدة تستحقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *