رجعتلك يابابا وانا مطلقه وهو متجوز عليه

مرّت السنوات متتالية لتنسج باقي أحداث هذه الملحمة التي يتجلى فيها العدل الإلهي في أبهى صوره. أصبحت الفتاة اليوم قامة مجتمعية بارزة ومصممة عالمية يُشار إليها بالبنان، تعيش في بيتها الدافئ والراقي الذي يمتلئ بضحكات أطفالها ورعايتهم، وفي ظل زوج يزن الرجال بميزان الذهب، يكرمها ويجلّ قدرها أمام الجميع. أما والداها، فقد بلغا من الكبر عتياً في كنفها ودلالها، يرفرف على بيتهما السكون والرضا، ووالدها يبتسم كلما رأى أحفاده يلتفون حوله، يعلم في قرارة نفسه أنه أدى الأمانة وحمى نبتته الطيبة حتى أثمرت عزة وكرامة.
توسعت أعمال الفتاة لتنطلق في مشاريع خيرة أوسع؛ أنشأت مؤسسة كبرى لدعم النساء المعيلات والمطلقات اللاتي واجهن القهر، توفر لهن المأوى والتعليم والتدريب المهني مجاناً، لتعيد إلى قلوبهن الأمل وتصون كرامتهن كي لا يذقن مرارة الحاجة والذل التي ذاقتها هي في ليلة شؤم مضللة. كانت كلما زارت مقر المؤسسة ورأت نظرات الأمل في عيون النساء، حمدت الله الذي أخرجها من الضيق إلى أوسع الطريق وجعل من محنتها السابقة سبباً لرحمة مئات غيرها.
وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان القصاص الدنيوي يستوفي شروطه كاملة من عمرو. لم يعد يملك من أمره شيئاً؛ ذبل شبابه، واعتلّت صحته جراء الفقر والإهمال والحسرة التي أكلت أجزاء روحه قبل جسده. تعطلت قدرته على العمل كلياً، وأصبح يقتوت من حسد الجيران وعطف بعض المارين في شوارع حارته القديمة التي عاد إليها بعد أن ضاقت به كل بقعة في الأرض، ليعيش في غرفة صغيرة مظلمة أسفل سلم إحدى العمارات المتهالكة، بلا أنيس ولا جليس، يقتله الصمت وتنهكه الذكريات.
في يوم أشرقت فيه الشمس على حارتهم القديمة، أقامت المؤسسة الخيرية التي تملكها الفتاة حملة كبيرة لتوزيع المساعدات والترميم في المنطقة المجاورة للحارة، كنوع من الوفاء لأهل المكان الذي نشأت فيه. وُضعت الخيام الكبيرة، وتجمعت العائلات، وكانت الفتاة تحضر بنفسها برفقة زوجها وأبيها الشائخ الذي كان يجلس على كرسي مريح محفوفاً باحترام الأهالي وحبهم، والجميع يدعون له بالصحة والعافية لأنه أنجب وأحسن التربية.

في تلك اللحظات، خرج عمرو من جحره الصغير بخطوات متهادية يجر قدميه جراً، يرتدي سمالاً بالية ويحمل قصعة فارغة ينتظر في صفوف المساكين ليحصل على وجبة يسد بها جوعه. وعندما وصل دوره في الطابور، رفع رأسه الواهن بتعب، لتلتقي عيناه المحمرتان بعيني والد الفتاة القابع في صدر المجلس، ثم بعيني الفتاة نفسها التي كانت تقف توزع الطرود بيديها الكريمتين وهي تلبس أبهى الثياب وتعلو وجهها سكينة الطهر والرفعة.
تسمر عمرو في مكانه، وسقطت القصعة من يده المرتجفة لتتحطم على الأرض. تجمعت في حلقه غصة ألم وخزي لا تطاق؛ فرأى الأب الذي ضربه بالحذاء يوماً في الشارع يقف اليوم كالملك تاجاً على رؤوس الجميع، ورأى الفتاة التي طردها ليلاً حافية بلا حجاب، تخطو اليوم كالأميرات وتطعم الفقراء والمساكين بمالها وعرقها الشريف، بينما هو -الذي ظن يوماً أنه يملك العالم بظلمه- يقف أمامها شحاذ يرجو حسنتها ولقمة عيش من يدها.
انهمرت الدموع الساخنة من عينيه، وانحنى بجسده المنهك يبكي بحرقة وسخونة، متمنياً لو تنشق الأرض وتبتعد به عن هذا المشهد الذي يمزق كبرياءه المتبقي. التفتت الفتاة إلى أحد العاملين معها ب هدوء تام ووقار يسلب الألباب، دون أن تنبس بكلمة إهانة واحدة أو تجرح غروره المنكسر، وأشارت له أن يعطيه طرداً مضاعفاً وبعض المال، ثم التفتت لتكمل عملها ونظرتها تصبو نحو أطفالها وزوجها.
أخذ عمرو المساعدة وانسحب بخطوات خائبة يجر ذيول الهزيمة والندم، يعلم في أعماق قلبه أن قصاص السماء لم يظلمه قط، بل أراه بأم عينيه كيف يصنع الله بالمظلوم وكيف يذل الظالم حتى يرجو رحمة من دهس كرامته بالأمس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *