رجعتلك يابابا وانا مطلقه وهو متجوز عليه
حاول عمرو أن يتحرك، وألقى بجسده المريض من فوق الفراش المتهالك ليسقط على الأرض تحت أقدام الأب وابنته، ينتحب ويشهق بصوت يمزق الصدور، وقال ونشيج بكائه يتردد بين جدران الغرفة الضيقة:
* “سامحوني.. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي ظلمت نفسي قبل ما أظلمك.. والله العظيم أخذت عقابي في الدنيا قبل الآخرة.. شفت العذاب أشكال وألوان، وعشت شحات باكل من خيرك وإحسانك.. سامحوني عشان أعرف أقابل ربنا!”
ظلت الفتاة واقفة بثبات، لم تبكِ ولم تشمت، بل تنفست بعمق ونظرت إلى الرجل الراكع تحت قدميها، الرجل الذي خيل إليه يوماً أنه امتلك قدرها وحرمها من أبسط حقوق الحياة. التفتت إلى أبيها الذي أومأ لها برأسه في صمت.
رفعت الفتاة رأسها وقالت بصوت هادئ، واثق، وممتلئ بالسكينة:
* “أنا سامحتك لله.. مش عشانك، لكن عشان قلبي ما يشيلش غل ولا يفتكر أيامك السودا.. حقك المالي والدنيوي أخدته بالقانون والأصول، وحق كرامتي ربنا جابه لي أضعاف.. أنا نسيتك من زمان يا عمرو، ومن النهاردة روحك بين إيدين ربنا وهو الحاكم العدل.”
قال الأب بنبرة صارمة وهو ينظر إليه:
* “ربنا يسامحك يا ابن الناس.. عفونا عنك لله، والدرس اللي أخدته في حياتك يفضل عبرة لكل واحد يفكر يظلم بنت ملهاش سند غير ربنا وأبوها.”
خرج الأب وابنته وزوجها من الغرفة، يعلو وجوههم الرضا والتسامح والكبرياء الشريف، بينما بقي عمرو ملقى على الأرض، يبكي بحرقة وندم، يعتصر قلبه الخزي وهو يعلم أن العفو الذي حصل عليه لم يزد قدره إلا صغاراً أمام نبل وقوة من ظلمهم، وأن الفصل الأخير من حياته يُكتب الآن وهو يلملم أنفاسه الأخيرة في ظلام حسرته.
لم تمر سوى سويعات قليلة على تلك اللحظة الفارقة، حتى فاضت روح عمرو إلى بارئها في تلك الغرفة المعتمة أسفل السلم. رحل عن الدنيا غريباً، مكسوراً، بلا أهل ولا ولد ولا مال، ينفض الناس عن جنازته كما ينفضون عن ذكريات الشؤم والظلم. دفن في صمتٍ رهيب، ليكون ختامه في الدنيا عبرة تتداولها الألسن، وشاهداً حياً على أن العاقبة للظالمين مهما طال الإمهال.
أما في البيت المضيء بالحق والتقوى، فقد أقام الأب وبنته وأسرتها الكريمة مجلس صلح وسكينة تامين. نظرت الفتاة إلى السماء ونفسها مفعمة برضا لا يتزعزع، تعشقت روحها بالحرية المطلقة بعدما أغلقت كتاب الماضي بأكمله؛ فلا غلّ يثقل قلبها، ولا ذرة حسرة تعكر صفو حياتها. عاشت تتفيأ ظلال نعم الله، يرعاها زوجٌ صالح لا يرى الدنيا إلا بعينيها، ويحيطها أبناءٌ استقوا المروءة والنبل من جدهم البار، وشهدت مؤسستها مزيداً من النماء والبركة، لتتحول قصة آلامها القديمة إلى منارة أمل تنقذ آلاف الفتيات والمظلومات من ظلمات القهر إلى ضياء الكرامة.
وقفت الفتاة يوماً في شرفة منزلها المشرق، بجانب والدها الشائخ الذي ابتسم لها وهو يربد على كتفها بحنان، ورأت أحفاده يلعبون في الشارع بأمان، فأدركت في تلك اللحظة الختامية الحقيقة الخالدة التي صيغت منها هذه الملحمة.
حكمة القصة:
* أن الظلم ظلمات، وعدالة السماء لا تنام: قد يمهل الله الظالم حيناً حتى يظن أنه قادرٌ لا يُقهر، لكنه سبحانه يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ويجعل من طغيانه سبباً لدماره وحسرته في الدنيا قبل الآخرة.
* أن معدن الأصالة لا تتغير قيمته بالانكسار: الفتاة الطيبة والدار الكريمة كالق القائم على صخرة؛ قد تعصف به الرياح وتلمّ به المحن، لكنه يسترد رفعة قدره بمجرد أن يعود إلى أصله الشريف وسنده المتين.
* أن دعوة المظلوم ودمعة المقهور سهمٌ لا يخطئ: ليس بينها وبين الله حجاب، ومن طرد أحداً حافياً أو سلبه كرامته، دارت عليه الأيام حتى رجا الحسنة واللقمة من يد من ظلمه.
* أن القوة الحقيقية في العفو عند القدرة: الانتقام يورث القسوة، أما العفو والترفع مع استرداد الحقوق بالقانون فيورث السكينة والرفعة، ويجعل المظلوم يحلّق في السماء، بينما يظل الظالم قابعاً في هاوية ندائمه.