ست سنين كنت زوجه وفيه لجوزي المريض

ابنى ساب مراته وطفش من غير مايطلقها وراح اتجوز واحده زميلته
مراته ساكنه معايا فى نفس البيت كل يوم تنزل تتحايل عليه اقولها مكانه او اديها فلوس تصرف منها أنا برفض كانت تتخايل عليها اخدهم ااكلهم عندى بس انا مكنتش بوافق يا دوب اكلى على أدى
فضلت تدور عليه وفضلت تسأل وراحتله مكان شغله وبرضوا مقدرتش توصل لحاجة لانه ساب الشغل وراح مكان تانى ومقالش لحد عشان متعرفش مكانه وترفع عليه قضيه
نزلت اشتغلت داده فى مدرسه عيالها عشان تعرف تصرف عليهم وتاكلهم وبقت تشتغل بعد كده فى تفريز الاكل وتبعيه للمدرسين فى المدرسة وأولياء الامور
والكل لما عرف ظروفها بقوا يساعدوها
بقت تعمل أطباق المحشي والتفريزات من صباحيه ربنا، تقف على رجلها بالساعات عشان تجمع القرش اللي يسندها هي وعيالها. وأنا… لما لقيت الشغلانة مشيت معاها والناس بتطلب منها، قلت في نفسي: “وليه أشتري وأدفع من جيبي طالما الخير موجود تحت إدي؟”
بقيت اطلعلها وأطلب منها أكل، أطلع بالعلب مليانة من كل خير—محشي، خضار متفرز، وبانيه—وأخد الحاجة جاهزه على السوا :
لقيتها بدات تعمل معايا مشاكل وعايزانى احاسبهاة وتقولى اننى مكنتيش بتدى عيالى لقمه
كنت ارد عليها
“أصلك قاعدة في بيتي ومباخدش منك إيجار، لو احرتى مكان بره هتدفعى اد كده
كانت تبص لي بعيون مكسورة، تمسح إيدها في المريلة ودمعتها محبوسة بالعافية، تقول لي بالراحة:
— “يا حماتي والله البيع ده هو اللي بيكفي مصاريف المدرسة وأكل العيال، ومكسبه دوبك على القد…”
انا باجى على نفسى عشان اعلم عيالى واكلهم اكله نضيفه واخلى راسهم مرفوعه بدل ما امد ايدى
أرد عليها بنشفان وقسوة وأنا باخد العلب طالعة بيها:
— “قولي الحمد لله إن سايباكي لسه قاعدة تحت سقف البيت ده! لو مش عاجبك أو الأكل هيفضل بالحساب، طلعي حاجتك وعيالك والشارع أهو يسعكم كلكم.. ابني هو اللي طفش وسابك، وأنا مش ملزمة أصرف على حريم ولا أتحمل حد!”
مانتى لو زوجه عدله مكنش طفش منك والله أعلم راح فين
كانت تكتم قهرتها وتسكت، ترجع تقف تاني على حيلها بتعب عشان تكمل باقي الطلبات، وهي عارفة إن طردتها من البيت معناها رمية في الشارع هي وصغارها، فكانت بتاكل اللقمة بدموعها وتستحمل عشان تستتر هي وعيالها تحت السقف ده.
فضل الوضع كده لحد ما جالها اوردر لعزومه
واللى حصل بعد كده قلب كل الموازين
وقف المطبخ الصغير يتنفس بخار الحلة الكبيرة، وريحة الخلطة والمحشي مالية المكان. كانت بتشتغل من قبل الفجر، إيدها متشققة من المية الساقعة وتقشير الخضار، وضهرها ينمل من الوقفة، بس عيونها كانت بتلمع بأمل غير كل يوم.
الأوردر ده ما كانش مجرد أكل، ده كان “عزومة كبيرة” لمديرة المدرسة وأختها، أوردر لو طلع مظبوط وهيبيض وشها، هيفتح لها باب رزق ثابت ومحترم يغنيها عن أي طمع ويأمن مصاريف مدارس عيالها لسنة قدام. كانت بتلف كل صباع محشي بحب وصبر، تحط فيه وجعها وقهرتها وعرقها، وتدعي ربنا في سرها: “يا رب، سترها معايا عشان خاطر الصغار دول”.
العلب اترصت، الأطباق الكبيرة اتلفت بالفويل، والمطبخ بقى عبارة عن خلية نحل خلصت مهمتها بنجاح. وفي اللحظة اللي كانت بتحط فيها آخر شريط لزق على أخر كرتونة عشان جاهزة للتسليم، سمعت خطواتي الثقيلة نازلة على السلم.
دخلت عليها المطبخ، عيني زغللت على كمية الأكل، صواني البشاميل المتغلفة، أطباق المحشي الرصتها تجوع الشبعان، وكراتين كفتة وبانيه جاهزين على التحمير. الخير كتير، والريحة تدوّخ.
من غير ما أتكلم كلمة واحدة، قربت على الترابيزة ومديت إيدي، أخدت صينيتين بشاميل مع كرتونة محشي مشكل وعلبتين كفتة، وبدأت ألمهم في كيس أسود كبير عشان أطلع بيهم شقتي فوق.
لقيتها المرة دي وقفت في وشي، مش بكسرة زي كل مرة، لكن بلهفة وخرعة مرعبة. مسكت في حرف الكيس وهي بترتجف وبتترجاني:
— “لا يا حماتي.. أرجوكي إلا الأوردر ده! ده مش بيع عادي، دي عزومة مديرة المدرسة، الست دفعت العربون ومستنية الأكل على الضهر، لو الأكل نقص صينية واحدة هينزل من نظري ومش هتديني باقي الفلوس، وهضيع الشغلانة كلها من إيدي!”
نفضت إيدها من على الكيس بقسوة وقلت لها وأنا أملأ عيني منها بنظرة استعلاء:
— “جرى إيه يا بت أنتِ؟ بقيتي تتطاولي وتقفي في وشي؟ الأكل مغرق المكان أهو، جات يعني على الصواني دي؟ قولي لها الفرن حرقهم ولا أي حجة من حججكم دي! أنا طالعة بيهم لعمتك وعيالها جايين يتغدوا معايا فوق، ومش هسود وشي قدام أهلي عشان خاطر عزومة المديرة بتاعتك!”
دموعها نزلوا زي المطر، وبدأت تبوس على إيدي قدام عيالها اللي كانوا واقفين خايفين في الزاوية:
— “يا فاعلة الخير حرام عليكي! أنا طالع عيني من الساعة تلاتة الفجر! الفلوس دي هي اللي هدفع بيها إيجار النور والمية المتأخرين، وهي اللي هشتري بيها بضاعة الأسبوع الجاي.. لو خدتيهم كدة هكون خسرت الشغلانة وخسرت زبونتي الكبيرة، والله ما معايا مليم أشتري بيه حاجة ثانية أعملها بدالهم!”
زقيتها بإيدي لورا، وقلت بنشفان قلب:
— “قلت لك قبل كده، كلمة ثانية والأكل ده باللي فيه بطفشكم بره البيت! اعتبري الصواني دي إيجار سقف البيت اللي ضامك أنتِ وعيالك اللي أبوهم هرب وسابهم بسببك.. ولا أنتِ فاكرة القعدة ببلاش؟”
طلعت بالشيلة الثقيلة، وسبيتها ورايا مرمية على الأرض بتعيط بقهارة وتقطم في ضوافرها من العجز.
فوق في شقتي، حطيت الأكل، وعزمت أختي وعيالها، أكلنا وشبعنا وأنا باخد المدح والحلاوة على الأكل الطعم اللي ما تعبتش فيه ولا دفعت فيه مليم.
لكن تحت… الموقف كان بيفرقع.
صاحبة العزومة، مديرة المدرسة، وصلت بنفسها مع جوزها بالعربية عشان يستلموا الأكل. نزلت المديرة بكل هيبتها، وفتحت الباب لقيَت مرات ابني قاعدة على الأرض، وشها أصفر زي الليمونة، عيونها متورمة من العياط، والأوردر ناقص أكتر من نص الصواني والأنواع الأساسية اللي طلبتها.
المديرة اتعصبت في الأول وعلّت صوتها:
— “إيه ده يا أم فلان؟ فين باقي الأكل؟ العزومة بعد ساعتين والضيوف جايين من السفر! إيه التهريج ده؟ أنا مأمناكي ومعتمدة عليكي!”
مرات ابني ما قدرتش تكتم أكتر من كده. انهارت بصوت واطي، وبدأت تحكي وهي بتترعش، مش عشان تشتكي، لكن عشان تبرأ ذمتها وتفهمها إنها مش نصابة ولا مهملة. حكت لها بصوت مخنوق عن الصواني اللي اتأخدت عنوة فوق، وعن إيجار البيت اللي بتدفعه أكل، وعن تهديد الطرد بالعيال في الشارع كل يوم، وعن ابني اللي طفش وسابها لا معلقة ولا مطلقة.
المديرة سكتت فجأة. العصبية اللي على وشها اتحولت لذهول.. وبعدين لغضب مكتوم يطير العقل. المديرة دي كانت ست واصلة، جوزها مستشار سابق، وهي نفسها لها كلمة ومتهاب في المنطقة كلها.
المديرة بصت لمرات ابني وقالت لها بصوت صارم هز أركان البيت:
— “امسحي دموعك وقومي على حيلك.. الأكل اللي طار ده يتعوض، أنزل أجيب جاهز للمناسبة.. لكن قهرتك دي، والظلم اللي أنتِ عايشة فيه ده، والله ما يعدي بالساهل.”
في نفس الليلة، وأنا قاعدة فوق مأنتخة وبتفرج على التلفزيون ومبسوطة باللمة والأكل الباقي في التلاجة، سمعت خبط مرعب على باب الشقة. خبط مش عادي، خبط يهد الباب.
قمت بفتحه وأنا بتقفز وقولت: “مين اللي بيخبط كده؟”، وفتحت الباب..
لقيت المديرة واقفة وفي ظهرها محامي كبير ومعاهم قطاع مالي من المباحث وشرطة المرافق، ومرات ابني واقفة وراهم وعيونها حمرا، ومعاهم ورق كيتير ومحاضر مفتوحة.. المديرة بصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة قطعت المية والنور جوايا:
— “هي دي بقى الحما اللي فاكرة إن البيت بيتها، وبتاكل شقا اليتامى، وفاكرة إن ابنها لما يهرب ويزور أوراق شغل ويتهرب من النفقة مش هنجيبه؟”
المحامي طبع على الباب ورقة إعلان رسمي وقالي بصوت جاف:
— “البيت ده يا حجة ممتلكات ابنك الهربان.. ومرات ابنك رفعت دعوى تمكين ودعوى نفقة وحبس، والنهارده وصلينا لمكان ابنك المحترم في المحافظة الثانية اللي متجوز فيها وبيشتغل فيها باسم مزور، والشرطة في الطريق تنفذ عليه.. وأنتِ مطلوبة بكرة في النيابة بتهمة الاستيلاء على بضاعة بالقوة والابتزاز!”
اتسمرت مكاني والدم هرب من وشي، والعلبة اللي كانت في إيدي وفيها باقي المحشي وقعت على الأرض لاتفتحت واتدلدقت تحت رجلين مرات ابني.
وقفت متسمرة على العتبة، عيني رايحة جاية بين المحامي اللي واقف بثقة، والمديرة اللي بصاتها كانت أتقل من الجبال، ومرات ابني اللي كانت واقفة لأول مرة حاطة عينها في عيني من غير ما ترتعش ولا تنزل رأسها في الأرض.
الدم ينشف في عروقي وأنا بصلهم ومش قادرة أستوعب. ابنك اتمسك؟ ابنك اتكشف مكانه؟ والتهمة… مزور وبيهرب من النفقة؟
صوتي طلع بالعافية، محشرج وطالع من بين سناني بالعافية:
— “أنتوا بتقولوا إيه؟ شرطة إيه ونيابة إيه؟ أنتوا جايين تهجموا عليا في بيتي؟ بيتي اللي آويها هي وعيالها لما ابنها هرب وسابهم؟”
المديرة خطت خطوة لقدام، هيبتها كانت ترعب، وبصت لي بقرف صريح وقالت:
— “بيتك؟ بيت مين يا أختي؟ أنتِ فاكرة إن الدنيا سايبة، ولا فاكرة إن الشغل في المدارس والتفرير ده شغل هواة؟ أنا سألت وتحريت وعرفت كل حاجة من أصغر عيل في المنطقة لحد الملفات الرسمية. البيت ده باسم ابنك، ومكتوب في عقد جوازها إن ليها المؤخر والشقة تمكين في حالة الغياب.. ابنك اللي هربان ومتجوز في بورسعيد ومغير صفته في الشغل الهارب منه، المباحث جابته من قفاه الساعة ستة المغرب اليوم، وهو دلوقتي محجوز في القسم هناك وهيترحل على هنا الفجر!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بورسعيد؟ متجوز هناك؟ وابني اتقبض عليه؟
جسمي بدأ يترعش، وجيت أرفع صوتي وأصرخ عشان ألم عليا الجيران وأعمل زيطة كعادتي، المحامي رفع إيده بهدوء وطلع كارت وملف أصفر:
— “وفري صوتك يا حجة، عشان الصريخ مش هيفيدك في النيابة بكرة. المديرة عملت بلاغ رسمي باستيلاء بالقوة على بضاعة وأوردرات مدفوعة العربون، ومعانا شهادة الجيران اللي شافوكي وأنتِ نازلة وطالعة بالأكل جبارة، غير شهادة العيال.. وأزيدك من الشعر بيت، مرات ابنك رفعت قضية تمكين من البيت كله، وبكرة قرار التمكين هيتنفذ بصفتها وصية على الأطفال، يعني أنتِ اللي هتدوري على مكان تقعدي فيه لو ما اتعدلتِش!”
بصيت لمرات ابني وأنا مش مصدقة، البت اللي كانت بتمسح إيدها في المريلة وبتتحايل عليا عشان صباعين محشي أو حتة بانيه، البت اللي كانت بتاكل اللقمة بدموعها عشان السقف اللي داريها، هي دي اللي واقفة وراهم وساكتة؟
صرخت فيها بغل:
— “أنتِ يا بت؟ جايبة لي الحكومة على باب بيتي؟ أكلتِ من خيري وساكنة تحت سقفي، وبدل ما تصوني اللقمة رايحة تبلي عليا وعلى ابني؟ والله لأرمي حاجتك في الشارع دلوقتي وأوريكي الستات بتعمل إيه!”
خطيت خطوة ناحية السلم عشان أنزل أكسر شقتها وأرمي حاجتها، بس المحامي وقف في وسطي وقال بنبرة جافة كالحديد:
— “لو لمستِ قشة واحدة من شقتها من بكرة، هتبقى قضية إتلاف وتعدي مباشر وهتباتي في التخشيبة مع ابنك.. القرار صدر خلاص، والبيت ده بقوة القانون في حيازة الزوجة والأولاد.”
المديرة قربت من مرات ابني، حطت إيدها على كتفها بحنية وقالت لها:
— “اطمني يا أم فلان، حقك وحق عيالك يرجع لحد عندك، والشغلانة اللي كنتِ خايفة تروح منك؟ من بكرة أنتِ ماسكة المطبخ المركزي للمدرسة كلها، بمرتب ثابت وغير الأوردرات الخارجية.. ما عاش اللي يكسر عين ست بتسعى على رزق عيالها بالحلال.”
نزلت المديرة والمحامي ووراهم مرات ابني، ومشيت وهي بتبص لي بصة أخيرة.. ما كانش فيها شمتانة، كان فيها وجع سنة كاملة من القهر والذل، بصة واحدة بتقول لي فيها: “ربنا ما بيسيبش”.
وقفت على الباب لوحدي، الدور كله ساكت، والعلبة المقلوبة على الأرض المحشي بتاعها متنعتر تحت رجلي.. ريحة الأكل اللي كنت بتباهى بيه قدام أختي وعيالها فوق بقت خنقاني.
دخلت شقتي وقفلت الباب، الشقة كانت فاضية وتقيلة.. أختي وعيالها مشوا لما سمعوا الخبط والصوت العالي، وسابوني لوحدي مع حيطاني.
قعدت على الكنبة ومش قادرة أتنفس. الموبايل رن.. مسكته بإيد بترتعش، كان رقم غريب. فتحت الخط وجاني صوت ابني، بس مش الصبي الفهلوة اللي كان بيضحك عليا، كان صوته مخنوق، بيبكي وبيصرخ في التليفون:
— “الحقيني يا أمي! الشرطة جابتني من قلب شقتي بورسعيد، ومراتي الثانية ي أول ما عرفت إن عليا قضايا ونفقة وتزوير! أنا في القسم ومتبهدل.. الحقيني واعملي أي حاجة!”
الخط قطع، وأنا قعدت مكاني، مش عارفة أعمل إيه.. بكرة الصبح عندي نيابة، وابني المحبوس ينتظرني، ومرات ابني اللي كنت بهددها بالشارع بقت هي صاحبة البيت والمكان..
واللي جاي في المحكمة كان أصعب بكتير مما يتخيله حد.
طلعت الشمس بتاعة اليوم الثاني تقيلة وباردة، والبيت اللي كان دايماً عمران بصوت والمحايلة بقى ساكت سكوت يرعب. الشارع تحت كان بيهمهم، والجيران مع كل طلعة ونزلة يبصوا لشباكي ويتوشوشوا.. الخبر طار في المنطقة زي النار في القش: “ابن فلانة اتمسك في بورسعيد، وحماته المفتراية رايحة النيابة!”.
لبست طرحتي بإيد بترتعش، ونزلت السلم خطوة بخطوة، كل خطوة كانت تقيلة كأني شايلة جبل على كتفي. لما عديت من قدام باب شقة مرات ابني تحت، سمعت صوت ضحكة صغيرة طالعة من جوة.. صوت عيال ابني وهما بيفطروا وبيلعبوا ومبسوطين. الباب اللي كنت بهدد أقفله في وشهم بقى مقفول في وشي أنا، وما بقاش لي عين حتى أخبط أو أطل عليهم.
وصلت سراي النيابة، المبنى كان زحمة يغم القلب، وكلبشات وناس طالعة ونازلة، وأنا واقفة في الطرقات مش عارفة أروح فين ولا أجي منين.. عيني بتدور على ابني في كل وش يمر.
وبعد ساعة انتظار قتلتني، شفت المحامي بتاع المديرة واقف بيتكلم بثقة مع سكرتير النيابة ومعه ملف كبر الشمس. وقبل ما أقرب منه، شفت العساكر جايبين ابني..
المنظر كسر قلبي. ابن الهاربة اللي كان ماشي يتبغدد وعامل فيها ناصح، طالع وشه أصفر، دقنه طويلة ومبهدلة، إيده في الكلبش مع مسجون تاني، ولا بس هدوم متوسخة ومكسور العين. أول ما شافني، صرخ بصوت مخنوق وهو بيبكي زي الأطفال:
— “الحقيني يا أمي! بيعاطوني وبيهينوني هنا! قولي لهم ما عملتش حاجة، قولي لمراتي تتنازل وتسامحني!”
جيت أجرى عليه وأحضنه، العسكري زقني لورا بقسوة وقال: “ارجعي يا ست أنتِ! ممنوع الاقتراب!”.
دخلنا كلنا لرئيس النيابة. المحكمة والنيابة ما فيهاش ياما ارحميني ولا فيها طبع الفهلوة بتاع الشارع. وكيل النيابة قعد وفتش الورق، وبص لابني بنظرة تحذير، وبعدين بص لي وقال:
— “أنتِ المتهمة الثانية في بلاغ الاستيلاء والابتزاز والتعدي على حقوق الزوجة؟”
لساني اتعقد، وجيت أتكلم وأقول: “دي مراته ويا بيه البيت بيتي والأكل ابننا اللي جايبه…”
وكيل النيابة ضرب بإيده على المكتب وسكتني بصوت هز الأوضة:
— “البيت مش بيتك وحدك، الشقة مسجلة باسم ابنك، والزوجة ليها حق التمكين للعدول عن الإنفاق ووجود أطفال قصر! أما موضوع الأكل والبضاعة، فده مثبت بأقوال الشهود وعربونات المشتريين، وتعتبر جريمة استيلاء على مال غيرك بالقوة وإضرار بتجارة غيرك.. أنتِ عارفة إن عقوبتها الحبس؟”
الكلمة نزلت عليا كشفت العما اللي كنت فيه.. حبس؟ أنا الست الكبيرة أتبات في التخشيبة عشان صينية بشاميل وعلبة محشي؟
المديرة كانت جالس جنب المحامي بثبات، ومرات ابني كانت قاعدة في الزاوية، المرة دي مش لابسة المريلة المتوسخة، كانت لابسة عباية نظيفة ورأسها مرفوعة، ما بتتكلمش، سايبة القانون وياخذ لها حقها.
المحامي وقف وقال لوكيل النيابة:
— “يا فندم، بالنسبة للزوج، إحنا بنقدم أوراق رسمية بإن موكلي بيشتغل ببطاقة مزورة وفي شركة خاصة باسم مستعار عشان يتهرب من نفقة ولاده الخمس سنين اللي فاتوا، وغير كدة متجوز بأوراق غير رسمية من وحدة ثانية وهربان من أحكام غيابية بالنفقة!”
وكيل النيابة بص لابني وقال بصوت صارم:
— “المتهم ينحبس أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة الترحيل بتهمة التزوير والتهرب من النفقة.”
ابني صرخ وحاول يمسك في رجلين وكيل النيابة:
— “لا يا بيه! عشان خاطري! والله هكتب لها كل حاجة، والله هصرف عليهم، بس ما تحبسنيش!”
الموقف كان يقطع القلب، وابني بينسحب بالكلبشات وهو بيبص لي ويستغيث، وأنا واقفة عاجزة مش قادرة أعمل له أي حاجة.. الفهلوة اللي كنت فاكراها شطارة، والقسوة اللي كنت بعامل بيها البت الغلبانة، ردت في صدري وصد ابنها زي السهم.
وكيل النيابة بص لي وقال:
— “وأنتِ يا حجة، نظراً لسنك، هنسيبك بكفالة مالية قدرها خمسة آلاف جنيه على ذمة القضية.. وتتعهدي بعدم التعرض للزوجة أو دخول شقتها أو منعها من شغلها، وإلا هينفذ عليكِ أمر حبس فوراً!”
خمسة آلاف جنيه؟ أ جيبهم منين؟ أنا اللي كنت بخلانة بلقمة الأكل على عيال ابني عشان أوفر القرش، بقيت مطابة أدفع ألفات عشان ما أباتش في الحجز!
طلعت للتفريد والتليفونات، اتصلت بإخواتي، اتصلت بأختي اللي كانت بتاكل معايا من الأكل المنهوب بالأمس.. أول ما عرفوا إن فيها نيابة وكفالة وقضايا، كل واحد بدأ يعتذر ويتحجج: “والله ما حيلتنا، والله الظروف صعبة، أنتِ اللي جبتيه لنفسك يا أختي لما قسيتي على البت!”.
الكل اتخلى عني. الناس اللي كنت بقف أتباهى قدامهم بأني ممشية كلمتي في البيت، سابوني واقفة في الطرقات لوحدي أدور على حد يسلفني عشان أطلع من النيابة.
وبينما أنا قاعدة على دكة الخشب بالنيابة بأبكي بدموع الحصرة والندم، لقيت خيال واقف قدامي. رفعت رأسي.. كانت مرات ابني.
بصت لي بهدوء، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس ملفوفة في كيس نيلون.. دي الفلوس اللي جمعتها من تعبها وشقاها في التفريز والمحشي، الفلوس اللي كانت حارمة نفسها وعيالها منها عشان تؤمن مستقبلهم.
حطت الفلوس قدام المحامي وقالت بصوت هادي ومجروح:
— “ادفعلها الكفالة يا أستاذ.. أنا مش هسيبها تترحا ولا تبات في الحجز. مهما كان دي أم جوزي وجدة عيالي، وأنا ما أقبلش إن عيالي يشوفوا جدهم في التخشيبة.. أنا أخدت حقي بالقانون، ومش عاوزة أظلم حد.”
بصيت لها وأنا مش مصدقة.. الست اللي أنا حرمتها من اللقمة، الست اللي هددتها برمية الشارع هي وعيالها، هي الوحيدة اللي طلعت الفلوس من جيبها عشان تنقذني من السجن، في الوقت اللي ابن أمتي وإخواتي سابوني فيه!
الدموع نزلت من عيني سخنة بتكوي وشي، وجيت أمد إيدي ألمس إيدها وأقولها سامحيني، لكن هي رجعت خطوة لورا، وبصت لي بابتسامة حزينة وقالت:
— “الفلوس دي حق الكفالة بس يا حماتي.. لكن القلوب خلاص اتكسرت، واللي جاي هو اللي هيحدد كل واحد فينا هيروح فين.”
طلعت من النيابة بكفالتها، بس لما رجعت البيت، لقيت الشارع كله مستني، والتطورات اللي حصلت في المحكمة وفي البيت تحت كانت بتعد لمفاجأة أشد قسوة على الجميع.
رجعت البيت خطوة تقيلة ورا خطوة، رجليا مش شايلاني، وكأني ماشية في جنازتي. الشارع اللي كنت بتمشى فيه وراسي مرفوعة وأنا جارة الشيلة بالأكل المنهوب، بقى اليوم ممر للهمس والهمهمات. الحريم طالعة من البلكونات تبص عليا بكسرة عين، والجيران اللي كانوا بيهابوني ويعدوا من قدامي بسكات، بقوا يتبادلوا النظرات المليانة شفقة وقرف.
دخلت بوابة البيت، ولقيت المحامي بتاع المديرة واقف مستنيني ومعاه عسكري وكاتب من المحكمة، ومعاهم شمع أحمر وورق تمكين مكتوب بخط عريض.
المحامي بص لي بنبرة رسمية ما فيهاش نقطة رحمة:
— “يا حجة، قرار التمكين الصادر من النيابة العامة اتنفذ رسمياً. الشقة اللي تحت بحيازة الزوجة وأولادها القصر بصفتهم، وأي محاولة منك لدخول شقتها أو التعدي عليها أو حتى الوقوف على بابها، هتبقى مخالفة صريحة لقرار قضائي وهتترجم فوراً لبلاغ جديد يعطل كفالتك وترجعي التخشيبة.”
وقفت أسمع الكلام ومفيش في لساني نقطة حيلة. بصيت للباب اللي تحت، لقيته مقفول بالضبة والمفتاح، وبقت مرات ابني جوة مع عيالها، معززة مكرمة بقوة القانون، وأنا اللي بقيت غريبة في بيت ابني.
طلعت شقتي فوق.. الشقة كانت ضلمة وباردة، المطبخ اللي كان مليان صواني بشاميل وأطباق محشي فاضي ومكركب، وريحة الأكل القديم بقت تخنقني وتفكرني بظلمي. قعدت على الكنبة وحيدة، التليفون رن أكتر من مرة، كان أقاربي بيصلوا يتجسسوا ويشوفوا البلاوي اللي نزلت على دماغي، لكن ما كان عندي قدرة أرد على حد.
مرت الأيام الخمسة الأولانية زي الكابوس. ابني فضّل متكلبش ومحبوس في النيابة للتحقيق في قضية التزوير والتهرب من النفقة. كل يوم كنت بروح أقف قدام المحكمة بالساعات عشان ألمحه وهو طالع أو داخل بالكلبشات، وشه يزداد أصفرار وضياع، وكل ما يشوفني يصرخ من ورا السلك:
— “اعملي حاجة يا أمي! خليها تبيع شقتها أو تتنازل! مراتي الثانية في بورسعيد رفعت عليا قضية طلاق وخلع وأخدت العفش والفلوس وهربت! أنا اتدمرت يا أمي!”
الكلمات كانت بتنزل عليا زي المطر الساخن. مراته الثانية اللي جابها على مراته الأصيلة وساب عياله عشانها، سابته وأكلت شقاه أول ما الشدة وقعت عليه!
وفوق ده كله، المصاريف بدأت تضغط عليا. أختي اللي عزمتها على الأكل المخصوب اختفت وما بقتش ترفع التليفون، والفلوس اللي كانت معايا خلصت في أوتوبيسات النيابة والشاي والمصاريف.. قعدت في شقتي مش لاقية لقمة عدلة أكلها، وأنا اللي كنت بطلع العلب مليانة بانيه ومحشي وخضار جاهز على السوا.
وفي يوم، وأنا نازلة على السلم بجر رجليا عشان أشتري عيش حاف يسد جوعي، لقيت باب الشقة اللي تحت اتفتح.
طلعت مرات ابني، ومعاها شنط كبيرة متغلفة، ووراها المديرة ومعاها تروسيكل كبير مستني تحت البيت. الأكل الطالع كانت ريحته تدوّخ، أطباق ممبار، صواني رقاق، وعلب محشي مشكل ملفوفة بنظافة وشياكة كأنها طالعة من مطعم خمس نجوم.
مرات ابني كانت واقفة بتوجه العمال وهي لابسة طقم جديد ونظيف، العيال طالعين وراها هدومهم مرتبة ورايحين مدرسهم وراسهُم مرفوعة. المنطقة كلها كانت واقفة بتتفرج على “أم فلان” الست اللي قامت من تحت الردم وبقت هي اللي بتورد أكل المدرسة والمناسبات الكبيرة في الحي كله.
قفت على السلم بصة عليهم من بعيد، الدمعة متحجرة في عيني. العيل الصغير، حفيظي اللي كنت برفض أديله اللقمة يأكلها، بص لي وهو نازل السلم.. جيت أمد إيدي وأقوله “تعال يا حبيبي”، لكن أمه مسكت إيده بالراحة وشدته ناحيتها من غير ما تبص لي ولا كلمة، كأني بقيت طيف مش موجود.
نزلت الست والعيال والأكل، والشارع كله بقى يشهد بشطارتها ونظافتها وحلال شقاها. وأنا رجعت طلعت شقتي فاضية اليدين، لا ولد يسندني ولا لقمة تهنالي، مستنية بكرة بقلب محروق.. لأن المحاكمة الفاصلة لابني كانت بكرة الصبح، والقرار اللي هيطلع من القاضي كان هيغير مصير العيلة كلها للابد.رجعت البيت والليل سادل ستايره السودا على الشارع، كل خطوة كنت بمشيها كانت أتقل من اللي قبلها، كأني شايلة هدمة جنازتي على كتفي. الشارع اللي كان بيترج من صوتي لما أزعق أو أد حد، بقى يهمس من ورايا، ونظرات الجيران من الشبابيك كانت زي ان المقطعة في جلدي.
وصلت بوابة البيت، ولقيت المحامي واقف ومعاه المحضر والعسكري عشان يسلموا مرات ابني الشقة رسمي بحكم المحكمة النهائية، ومعاهم جيران شاهدين على التسليم. أخدت جنب ووقفت في الضلمة تحت السلم، رافعة طرف طيلتي على وشي داري خيبتي وقلة حيلتي.
طلعت مرات ابني السلم ومعاها عيالها والمديرة، الباب اللي كنت بهدد أرميها منه هي وصغارها اتفتح لها على وسعه بكرامة وهيبة. المحضر سلمها المفاتيح والورق الرسمي، والعيال دخلوا يجرو جوة وهما بيضحكوا.. الضحكة دي كانت بتنعصر في قلبي عصر، صوت يفكرني بأيام ما كنت أرفض أطلع لقمة ناشفة أكلهم بيها، وتقولي “يا حماتي أكلهم عندي”، وأرد عليها بقسوة “أكلي على أدي، أصلك قاعدة ببلاش”.
بعد ما الناس مشيت والدنيا هديت، طلعت شقتي فوق.
الشقة كانت كئيبة، الفراغ والضلمة ياكلوا في الحيطان. فتحت النور ببطء، عيني وقعت على المطبخ.. نفس المكان اللي كنت بأطلع فيه العلب المليانة محشي، والبشاميل، والبانيه الجاهز على السوا. كان فاضي، مفيش فيه حتى كسر عيش ناشف. البطن فاضية، والقلب مليان قهرة وندم.
قعدت على الكنبة في الصالة، والتليفون رن.. مسكته بإيد بترتعش، كنت متمنية يكون حد من إخواتي أو القرايب بيسأل عليا أو يقولي “تعالي قعدي عندنا شوية لما الهم يزول”.
فتحت الخط، طلع صوت أختي، بس مش بنبرة الحنية اللي كنت منتظراها، قالت بنشفان:
— “إيه يا أختي؟ عملتِ إيه في المحكمة؟ سمعنا إن الواد لبس ثلاث سنين سجن وأنتِ عليكِ غرامة عشرة آلاف جنيه؟”
رديت بصوت مكسور وببكي:
— “أيوة يا أختي.. الواد انحبس والبيت راحت حيازته للبت، وأنا مش حيلتي مليم أدفع بيه الغرامة ولا لاقية اللقمة الناشفة أكلها.. تعالي لي أو خديني عندك الكام يوم دول لحد ما أشوف هعمل إيه!”
أختي سكتت لحظة، وبعدين قالت بقسوة قطعت أملي الأخير:
— “آجي فين يا أختي؟ هو أنتِ سيبتِ فيها أخت ولا قريب؟ أنتِ لما كنتِ بتمشي تتباهي بالأكل اللي بتاخديه بالسيف من شقا اليتامى، ما فكرتيش في اليوم ده! إحنا ناس على قدنا، ومش قد مشكلات الشرطة والقضايا والغرامات.. تدبري حالك بعيد عنا يا أختي، إحنا مش ناقصين وجع دماغ!”
الخط قفل في وشي. السماعة وقعت من إيدي على الأرض.
الناس اللي كنت بعمل حسابهم، وأعزمهم على أكل البت وشقاها عشان يبصوا لي بإن أني “صاحبة الكلمة والبيت”، سابوني في أول حفرة وقعت فيها.
عدت الأيام، والأسبوع بقى أسبوعين، والحال بيسوء أكتر واكتر. الغرامة بقت دين صريح عليا، ومحامي مرات ابني بعت لي إنذار بالتنفيذ وإلا هيتعمل لي قضية جديدة تحبسني بجانب كفالتي الأولانية.
أما الشغل تحت فكان طالع زي الورد. المطبخ تحت بقى عبارة عن خليه شغل، صواني أشكال وألوان طالعة ونازلة، عربيات التوصيل بتيجي لحد باب البيت تحمل التفريزات والمحاشي لشركات ومدارس ومطاعم كبيرة. مرات ابني بقت تقف في المنطقة وراسها مرفوعة، والكل بيتمنى رضاها وشغلها، وعيالها بقوا ينزلوا الصبح لبسهم نضيف ومظبوط، طالعين المدارس بكرامة.
وفي ليلة سردة وباردة، المطر كان بينزل بغزارة بره، وأنا الشقة عندي المية كانت بتخر من السقف من قلة الصيانة. ما كانش في شقتي ولا كبريت ولا لقمة عيش، ولا حتى بطانية تدافيني. البطن كانت بتقطعني من الجوع، والبرد نمل في عظامي.. قعدت على السلم في الضلمة أرتجف، عيني بصة على النور الدافئ اللي طالع من حتة تحت الباب بتاع شقة مرات ابني.
ريحة الأكل البلدي الطالع من تحت، ريحة شوربة سخنة ومحشي وطبيخ، كانت بتوصل لي مع هواء المطر وتدبحني.
قعدت أفتكر أيام ما كانت تنزل تحايل عليا وتترجاني: “يا حماتي قولي لي مكانه”، وأنا أقولها بنشفان: “لو مش عاجبك طلعي عيالك والشارع أهو يسعكم”. دلوقتي الشارع بقى يسعني أنا، وبيت ابني بقى مقفول في وشي.
ما قدرتش أتحمل أكتر من كده. الجوع والبرد والكسرة هدو حيل الست المفتراية اللي كانت جوايا.
نزلت السلم خطوة بخطوة، مسكت في السور وأنا برتجف.. وقفت قدام الباب اللي كنت بهدده بالكسر. إيدي اترعشت وهي بترتفع عشان تخبط.
خبطت خبطتين خفاف وصغيرين، خبطة المكسور المحتاج.
الباب اتفتح ببطء..
طلعت مرات ابني، كانت لابسة عباية دافية، وفي إيدها معلقة تقليب طالعة منها ريحة الأكل الدافي. بصت لي باستغراب، شافت حماتها اللي كانت بتهد البيت بصوتها، واقفة على الباب ساندة على الحيطة، وشها أصفر زي العضم، شفايفها زرقا من البرد، وعيونها مليانة دموع وذل.
صوتي طلع بالعافية من بين سناني اللي بتخبط في بعضها:
— “يا بتي… يا أم فلان… أنا جعانة وبقع من البرد… أدينا لقمة أكلها ودفي جسمي بيها… لوجه الله…”
وقفت مرات ابني مكانها، النظرة اللي في عينها ما كانتش شمتانة ولا فرحانة في كسرتي، كانت نظرة وجع عميق يهد الجبال. بصت لي وهي ساكتة لفترة طويلة، وسكوتها ده كان أشد عليا من أغلظ حكم صادرة من محكمة.
ورجعت خطوة لورا، وسابت الباب مفتوح، وقالت بصوت هادي وبارد زي المطر اللي بره:
— “ادخلي يا حماتي… ادخلي قعدي جنب الدفاية.”
دخلت بجر رجلي، والشقة كانت دافية وريحة الأكل تملى الرئة. لكن اللي حصل جوة الشقة بعد ما قعدت، والتليفون اللي رن فجأة من سجن المزرعة، قلبت كل حاجة تاني وحطتنا كلنا قدام قرار أصعب بمراحل.
دخلت الشقة وأنا بجر رجليا بالعافية، الدفا اللي جوة كان بيدق في جسمي البردان زي الإبر، وريحة شوربة اللسان عصفور والمحشي الدافي مالية المكان. الشقة هي هي الشقة، لكن روحها اتغيرت؛ بقت نظيفة، دافية، ومستقرة، وشها ينطق بالخير والستر اللي ربنا رزقها بيه بعد طول صبر وشقا.
العيال كانوا قاعدين على الترابيزة بيكتبوا واجباتهم، أول ما شافوني دخلت، السكوت حلّ في الصالة. العيل الصغير بص لأمه باستغراب، وبعدين بص لي بوجل.. نفس العيل اللي كنت بأقفل الباب في وشه وأرفض أطلع له اللقمة يأكلها، قاعد دلوقتي في حما أمه وعزها، وأنا اللي دخلت عليهم حسيرة ومكسورة، شحتانة اللقمة والدفا.
مرات ابني ما اتكلمتش ولا كلمة، مشيت ناحية المطبخ بغطاء دافي، وجات حطته على كتفي بالراحة، وقعدتني على الكنبة. وبعد دقائق خرجت وفي إيدها صينية صغيرة عليها طبق شوربة سخنة يغلي، وطبق فيه أرجح المحشي الدافي مع حتة فرخة محمرة.
حطت الصينية قدام على الترابيزة وقالت بصوت هادي ما فيهوش نبرة تشفّي ولا إهانة:
— “سمّي الله يا حماتي وكلي.. الأكل دافي ويسند طولك.”
مسكت المعلقة بإيد بترتعش، والدموع نزلوا من عيني زي المطر فوق طبق الشوربة.. اللقمة كانت بتنزل في زوري أتقل من الحجر. مش عشان الأكل وحش، الأكل كان في قمة الطعامة والنظافة، بس عشان طعم الكسرة والندم كان مر. افتكرت كل مرة طلعت فيها بالشيلة الثقيلة من عندها، افتكرت لما كنت أقولها “أ أكل على أدي” و”الشارع أهو يسعكم”، واليوم… هي اللي بتأكلني من خيرها وشقا إيدها من غير ما تعيرني ولا تكسر بخاطري.
أكلت ودموعي نازلة، وهي قعدت قصادي على الكنبة الثانية ساكتة، تمسح إيدها في المريلة بتفكير عميق، كأنها بتفكر في الأيام وفي غدر الزمان.
وفجأة، في وسط السكون ده، صوت رنة الموبايل بتاعها رن بعنف على الترابيزة.
رفعت رأسها وبصت للشاشة، الرقم كان غريب ومسجل برقم هيئة رسمية. فتحت السبيكر والخط اتفتح، وجانا صوت مأمور سجن المزرعة، صوته جاف ورسمي هز أركان الصالة:
— “السلام عليكم.. بيت المواطن (فلان الفلاني)؟”
مرات ابني ردت بثبات:
— “أيوة يا فندم، أنا زوجته سابقة وممثلة أولاده القصر، وفي حضوري والدته كمان.. خير يا فندم؟”
المأمور سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة جادة:
— “بنبلغكم إن المسجون أتنقل حالياً للمستشفى الفرعي بالسجن في حالة حرجية شديدة.. جاله انثقاب حاد في المعدة مع نزيف داخلي بسبب الضغط العصبي والامتناع عن الأكل من يوم ما دخل التخشيبة، وهو محتاج جراحة عاجلة ودم.. والطب الشرعي وإدارة السجون طالبين حضور أقارب الدرجة الأولى فوراً للتوقيع على إقرار العملية، وللنظر في طلب التماس العفو الصحي المؤقت اللي أترفع من محامي السجن!”
أنا أول ما سمعت الكلام، الصينية وقعت من إيدي على الأرض، والشوربة اتدلقت. صرخت بكل صوتي ولطمت على وشي:
— “ابني! ضاع ابني! يا لهوي عليك يا ابني يا حبيبي! انثقاب ونزيف؟”
مسكت في إيد مرات ابني وبستها وأنا ببكي وبصرخ:
— “عشان خاطر ربنا يا أم فلان! عشان خاطر الأيام اللي عشناها، سامحيه وانزلي معايا السجن نوقع على العفو! لو ما وقّعتيش على التنازل عن شق الضرر والعفو الصحي مش هيخرج وهيموت جوة المستشفى في الكلبشات! عشان خاطر ولاده ما يتربوش أيتام الأب والأم!”
مرات ابني وقفت مكانها اتسمرت. الوش اللي كان هادي من شوية اتحول لدوامة من الحيرة والوجع. بصت لولادها اللي قاما مفزوعين من الصريخ، وبصت لي وأنا مرمية تحت رجليها ببكي وبترجاها، وبصت للتليفون اللي ما زال المأمور فيه مستني الرد.
ابنها اللي هرب وسابها خمس سنين، اللي زور وأكل حقها وحق عياله، اللي اتجوز عليها وورطها في الفقر والذل، دلوقتي حياته بين إيديها هي.. توقيع واحد منها ممكن يطلعه بعفو صحي يرجع بيته، ورفض منها يسيبه يتواجه مع مصيره جوة السجن ومستشفى السجون.
المأمور على الخط قال بصوت حاسم:
— “يا مدام.. قرارك إيه؟ العربيات والمحامي مستنيين عند باب السجن، والعملية لازم تتم خلال ساعات!”
بصت مرات ابني للسقف، أخدت نفس طويل ومخنووق، والدمعة المحبوسة في عينها نزللت حامية على خدها، وقالت وهي بترتجف:
— “يا فندم… أنا…”
وسكتت فجأة، والقرار اللي كان هيطلع من لسانها في اللحظة دي كان هيحدد مصير ابني، ومصيرنا كلنا في اللي جاي.
وقفت مرات ابني مسحورة المكان، النفس يخرج من بين ضلوعها بالعافية، والمأمور على الناحية الثانية من الخط مستني الكلمة اللي هتحدد مصير راجل هرب وسابها، ودمر حياتها وحياة عياله.
أنا كنت جاعية على الأرض تحت رجليها، ماسكة في طرف عبايتها، بدق على صدري وببكي بكاء مر، الدموع مالية وشي، وصوتي محشوق بالتوسل:
— “عشان خاطر ربنا يا أم فلان! عشان خاطر اللقمة اللي أكلتهاني دلوقتي والستر اللي سترتيني بيه! بلاش تموتيه جوة السجن! سامحيه المرة دي ورجعي العيل لأبوه، والله لربيه لك من جديد، والله لأخليه يبوس إيديكي ورجليكي كل يوم!”
مرات ابني غمضت عينها قوي، ودموعها نزلوا على خدها بوجع كتم سنين طويلة من القهر. بصت لولادها الاثنين اللي واقفين ماسكين في بعض وخايفين من الموقف، وبعدين بلعت ريقها المخنوق، رفعت التليفون وقالت بصوت بترعش فيه كل كلمة بس طالع بثبات غريب:
— “أنا جاية مع حضراتكم يا فندم… هبص على الأوراق وأوقع على إقرار العملية والعفو الصحي، بس بشرط واحد… الإجراءات تتسجل رسمياً وشق حقي وحق ولادي يفضل ثابت، وأنا مش هتنازل عن حريتي وحرية ولادي أبدًا.”
المأمور رد بسرعة: “تمام يا مدام، المستشفى في انتظارك فوراً، الإجراءات القانونية محفوظة.”
الخط قفل، وأنا قمت من الأرض زي المجنونة، حضنتها وأنا ببكي وبقولها: “ربنا يسترها معاكي يا بت الأصول! ربنا يجعل كل خطوة تمشيها في ميزان حسناتك!”
لكن هي زقتني بالراحة، وبصت لي بصة جامدة ما فيهاش لا فرح ولا ضعف، وقالت بصوت هادي كالثلج:
— “أنا مش عملت كدة عشان خاطرك يا حماتي، ولا عشان خاطره هو… أنا عملت كدة عشان خاطر ربنا، وعشان العيال دول لما يكبروا ما يقولوش أمنا سابت أبونا يموت في الكلبشات وهو مريض.. لكن الحساب لسه ما خلصش، واللي بيني وبينه وبينك أحكام ربنا والقانون.”
نزلت هي وأنا وراها، ومعانا المديرة اللي أصرت تيجي معانا بسيارتها الخاصة عشان تحميها وتكون شاهدة على كل خطوة.
وصلنا مستشفى السجن في منتصف الليل. الريحة جوة كانت ريحة مطهرات وخوف، والعساكر واقفين على الأبواب بالبنادق والكلبشات. دخلنا الأوضة اللي فيها ابني…
المنظر كان يهد حيل أي حد. ابني كان راقد على السرير، وشه أصفر زي الميت، الأجهزة موصلة بجسمه من كل ناحية، إيده متكلبشة في حرف السرير الحديدي، وخراطيم المحاليل والدم داخلة وخارجة منه. أول ما فتح عينيه بتعب وشافنا داخلين، الدموع سالت من عينيه، وشفايفه المشققة بدأت تتحرك بصوت واطي ومبحوح كأنه بيحتضر:
— “سامحيني… سامحيني يا أم فلان… أنا أتعاقبت أشد عقاب… الشارع والظلم أكلوا صحتي، والمرأة اللي هربت عشانها سرقتني ورمتني… أنتم أهلي الحقيقيين…”
قربت منه وبكيت وأنا بمسك إيده الباردة، لكن مرات ابني وقفت على بعد خطوتين، بصت له بنظرة مليانة ألم وحزن، وسكتت.
المحامي والضابط جابوا الأوراق، ووقعت مرات ابني على إقرار العملية وتحويل الملف للجنة الطبية العرفية للنظر في قرار “الإخلاء الصحي المؤقت” بشرط الإقامة الإجبارية تحت الرقابة والمتابعة الطبية.
مرت ساعات العملية كأنها سنين. كنا قاعدين في ممر المستشفى، الليل طال، والبرد ينخر في العظام. وأنا كل دقيقة أدعي ربنا إنه ينجيه، وبص لمرات ابني اللي كانت قاعدة بتقرأ قرآن بالراحة وبترتل بأعلى درجات الثبات.
مع طلوع الفجر، خرج الدكتور وبشرنا إن النزيف وقف والعملية نجحت، وإن التقرير الطبي صدر رسمياً بخروجه “عفو صحي مؤقت” لمدة ستة أشهر للعلاج تحت الحراسة والتنفيذ في مقر إقامته المسجل.
رجعت العربية لينا كلنا، ابني في عربية الإسعاف، وأنا ومرات ابني وراهم.
لكن لما وصلنا البيت مع آذان الفجر، وجينا نعدي البوابة عشان نطلعه الشقة، وقعت المفاجأة اللي ما كانتش على البال ولا على الخاطر.
لقينا بوابين العمارة والست بتاعة العمارة المجاروة واقفين على الباب ومعاهم راجل غريب لابس بدلة ومعاه محامي ثاني، ومعاهم أمر قضائي جديد ورسمي ومختوم بالنتاجة الحمرا!
المحامي الغريب وقف في وشنا وقال بنبرة حادة وقطعية:
— “يا جماعة، الشقة والعمارة دي صدر ضدها حكم بيع بالمزاد العلني وفاءً لديون ومبيعات سابقة وشيكات بدون رصيد مضى عليها الزوج الهربان للشركة القديمة اللي كان شغال فيها قبل ما يهرب بورسعيد! واليوم الاستلام الفعلي للشركة، ولازم البيت يفضى فوراً!”
اتسمرنا كلنا في مكاننا، ابني في الإسعاف بيموت من التعب، وأنا مسكت في سور البوابة وصرخت، ومرات ابني بصت للورق وهي مش مصدقة… البيت اللي حاربت عشان تستتر فيه هي وعيالها، واللي افتكرت إن القانون أداها حقه، طلع عليه ديون وشيكات مخفية من الماضي هتترمي بسببه العيلة كلها في الشارع بجد المرة دي!
وقفت العمارة كلها في أذان الفجر على صريخ ونحيب. الخبر نزل على دماغنا زي الصاعقة التي هدت السقف فوق رؤوسنا. المحامي الأجنبي واقف وفي إيده أمر التنفيذ ورجال الشرطة مستنيين برة، والعربة بتاعة الإسعاف مركونة والأنوار الخضرا بتاعتها بتلف في الضلمة، وابني جوة نايم بين الحياة والموت، مش دريان بإن البيت اللي هرب منه وسابه، طالعة منه طعنة جديدة تهد كل حاجة.
أنا ماسكة في سور البوابة الحديد بكل قوتي، ضوافري بتغرس في الصدأ والدموع بتغرق وشي، بصرخ بصوت محشرج يقطع القلب:
— “بيت إيه اللي يتشمع؟ وبيع إيه ومزاد إيه يا ظلمة؟ البيت ده بيت ابني وعيال ابني! نروح فين في نص الليل والولد مرمي في الإسعاف بيموت؟ ارحمونا يرحمكم ربنا!”
المحامي بص لي بنظرة ناشفة ما فيهاش نقطة رحمة، ورفع الورق المترتب ورسمي قدام وشي وقال بصوت صارم:
— “الكلام ده تقولوه في المحكمة يا حجة. الزوج الهربان كتب شيكات وإيصالات أمانة بمبالغ مهولة للشركة اللي كان شغال فيها باسم مزور قبل ما يهرب بورسعيد، والقاضي أصدر حكم بات بالتحفظ والتنفيذ على كافة ممتلكاته المسجلة باسمه وفاءً للديون.. والأستاذة مرات ابني حيازتها للشقة كانت بصفتها زوجة، لكن لما الممتلكات نفسها تترهن للديون الرسمية السابقة على تاريخ التمكين، يبطل قرار التمكين ويبقى الشارع هو المأوى لحد ما الدين يتسدد!”
الكلمة قطعت النفس من صدري.. الشارع؟ الكلمة اللي كنت بقولها لمرات ابني بقسوة وتباهي: “الشارع أهو يسعكم كلكم”، ردت عليا في وشي وفي وش ابني وفي وش العيال الصغيرة اللي كانوا واقفين يرتجفوا من البرد والخوف.
ابني جوة الإسعاف بدأ يفوق، وشاف الخناقة والشرطة والورق، حاول يقعد على السرير الطبي والخراطيم متوصلة بجلده، بدأ ينتحب بصوت واطي ومكسور وهو بيبص من الشباك:
— “يا لهوي عليا وعلى حظي… ضيعتكم وضيعت نفسي! أنا الشيكات دي كتبتهم تحت التهديد لما كنت هربان… البيت يضيع مننا يا أمي؟ الشارع هيرمينا كلنا؟”
المديرة بتاعة المدرسة وقفت في وسط الزحمة وقالت للمحامي بتاع الشركة بصوت جاد هز المكان:
— “أستاذ محامي.. الناس دي طالعة من جراحة عاجلة ومعاهم قرار إخلاء صحي وتحفظ، والست دي معاها أطفال قصر والبيت فيه شغالة وتجارة قائمة بقوة القانون.. مهلة أسبوع على الأقل لتدبير أمرهم أو تقديم طعن وإشكال في التنفيذ!”
المحامي رد وهو بيمضي على محضر التنفيذ:
— “المهلة المسموح بيها قانوناً هي أربعة وعشرين ساعة فقط للتهنئة والإخلاء.. بكرة الساعة خمسة المسا الشمع الأحمر هيتحط على باب العمارة بالكامل!”
في اللحظة دي، الموقف كان يطير العقل. الشارع تحت العمارة بقى زحمة، الجيران بيسقوا الحكايات ويتفرجوا، وأنا وقعت على ركبي في التراب، كفوفي على وشي وأنا ببكي بدموع الحصرة والندم. بصيت لمرات ابني…
الست اللي كنت شايفاها ضعيفة، الست اللي كنت باخد أكلها وشقاها بالسيف وأقولها “أصلك قاعدة في بيتي”، كانت واقفة في وسط المأساة دي كلها زي الجبل. ما بكتش، ولا صرخت، ولا لطمت زيي.
ربطت طرحتها كويس، وقربت من المحامي والشرطة وقالت بصوت هادي كأن الحصى بيتكسر جوة حنجرتها:
— “أربعة وعشرين ساعة يا حضرة الظابط.. وبكرة الساعة خمسة الشقة هتكون فاضية، ومش هنسيب فيها قشة واحدة.”
بصيت لها وأنا مش مصدقة، صرخت فيها وأنا بمسك رجليها:
— “تقولي إيه يا بتي؟ هنروح فين؟ هننام في الشارع؟ وابنك المريض ده هنوديه فين؟”
بصت لي مرات ابني بصة حزينة، بصة مليانة كبرياء وستر ربنا، وحطت إيدها على كتفي وقالت بالراحة:
— “البيت اللي يتبنى على ظلم وقهر يا حماتي، عمره ما بيدوم ولا بيستر حد.. العمارة دي طالعة بشقا ومكر، والقرش الحرام بيأكل الحلال.. قومي يا حماتي، قومي لمي حاجتك.. اللي سترنا في المطبخ الصغير وأحنا بنبيع أطباق المحشي بالقرش، مش هيضيعنا والشارع مش هيضمنا طول ما لينا رب كريم وإيدين شقيانة بحلال.”
طلعت مرات ابني الشقة بسرعة، وبدأت تتصل بكل المدرسين وأولياء الأمور والزبائن اللي بيتعاملوا معاها في التفريزات والأكل الدافي. حكت لهم في التليفون بوضوح ومن غير خجل: “البيت بيتفاجأ بديون قديمة وهنعزل بكرة، ومحتاجة مكان صغير أو مخزن أفتحه مطبخ وأعيش فيه أنا وعيالي”.
وفجأة… النجدة جات من المكان اللي ما كانش يخطر على بال حد.
مديرة المدرسة، أختها، وثلاث ستات كبار من أمهات الطلاب اللي كانوا بيشتروا منها الأكل، وصلوا العمارة الساعة تسعة الصبح بعربياتهم.. الستات دول لما عرفوا باللي حصل، رفضوا يسيبوها ترمى في الشارع.
المديرة طلعت مفتاح شقة أرضية بحديقة صغيرة مملوكة لزوجها المستشار في منطقة قريبة، وقالت لمرات ابني قدام كل الجيران:
— “يا أم فلان.. الشقة دي مقفولة ومحدش ساكن فيها، هتستلميها من النهار ده بعقد إيجار رمزي، والحديقة بتاعتها هنسجلها باسمك رسمي كـ’مطبخ مركزي’ لتجهيز وجبات المدرسة والمناسبات.. حقك وشقاكي ونظافتك هما ضمانتك عندنا!”
الجيران وقفوا مذهولين، وأنا واقفة أعيط ومش مصدقة عينيا.. الست الغلبانة اللي كانت بتمسح دموعها في المريلة وتحت رحمة صينية محشي، الناس بقت تتسابق عشان تسترها وتساعدها وتفتح لها الأبواب المقفولة، وأنا وابني أصحاب البيت بقينا بندور على حتة أرض يقبلوا يرمونا فيها!
نزلوا العفش، ونقلنا ابني على سرير دافي في الشقة الجديدة وهو يبكي ويهذي باسمها ويطلب السشامح، وأنا دخلت المكان الجديد راسي في الأرض، مش قادرة أحط عيني في عينها.
لكن المطبخ الجديد الشغال، والورق اللي وصل من المحكمة بليل عن مكان الشيكات الأصلية، كان بيعد لمفاجأة ثانية هتغير كل الأوراق المتبقية في هذه القصة!
استقرت الأوضاع في الشقة الأرضية الجديدة الشبيهة بالواحة الوسط العاصفة، شقة دافية، وفي ظهرها حديقة واسعة اتجهزت بأبسط الإمكانيات لتتحول لمطبخ مركزي حقيقي يورد أكل لنصف مدارس الحي ومطاعمه.
الشمس كانت بتشرق كل يوم على حركة ودبة شغل لا تتوقف من آذان الفجر؛ مرات ابني واقفت في وسط الحديقة، أسطول صغير من الصوايا والحلل الكبيرة، ومعاها ثلاث ستات من الحي شغلتهم معاها باليومية عشان يكفوا الطلبات والأوردرات اللي بقت تنزل عليها زي المطر. الضحكة رجعت لوش عيالها، هدومهم بقت نظيفة، وراسهم مرفوعة بين زمايلهم في المدرسة، والكل بيتكلم عن “أم فلان” الست الأصيلة اللي قامت من تحت الردم وبقت صاحبة مشروع ومصدر رزق لبيوت كتير.
أما جوة الشقة… فكان الموقف يقطع القلب وعكس ده تماماً.
ابني كان راقد على السرير في الأوضة الجوانية، وشه دبلان وزي الورقة المحروقة. الجرح بتاع العملية كان بيوجعه مع كل نفس، والخراطيم والمحاليل لسه متوصلة بجسمه، وتحت الإقامة الإجبارية والعفو الصحي المؤقت اللي بيخليه كل يوم محتاج تقارير طبية تترفع للنيابة. كان قاعد زي الأسير في قفص، يسمع من شباك الأوضة صوت أمه وصوت مراته وهي ببتوجه العمال وتبيع وتشتري وتكسب من حلال، وهو مش قادر حتى يقوم يروح لحد الحمام من غير ما يستند على الحيطة.
أنا كنت قاعدة جنبه على الكنبة، حانية ضهري ومكسورة العين. بقيت أنا اللي بقوم أخدمه، أغسل له هدومه وأغير له على الجرح، وأخرج بكسرة نفس للمطبخ عشان أطلب من مرات ابني اللقمة والشوربة السخنة اللي تسند طوله وطولي..
المرة دي لما كنت أطلب الأكل، ما كنتش بأطلعه بجباري ولا أقول “الخير تحت إيدي”. كنت بأدخل المطبخ وراسي في الأرض، أقول بصوت واطي ومخنوع:
— “يا أم فلان… لو فيه فضلة شوربة سخنة أو لقمة طرية لأبو العيال عشان ياخد دوا الجرح…”
كانت تبص لي بهدوء، تصب الشوربة في طبق نظيف، وتحط معاها أكل دافي، وتقدمه لي بأدب جم ورقي يذبحني ألف مرة.. ما عيرتنيش، ولا قالت لي “أين الشارة اللي كنتِ بتاخدي بيها الأكل؟”، ولا ردت لي الصاع صاعين. سكوتها وأدبها كان أشد عليا من ألف شتيمة، كان بيعرفني قد إيه أنا كنت عمياء وقاسية، وقد إيه هو كان هربان وناقص.
ابني كان بياكل اللقمة والدموع نازلة من عينيه على الطبق، يبص لي ويقول بصوت مبحوح:
— “شايفة يا أمي؟ شايفة الست اللي أنا طفشت منها وسيبتها للفقر والذل؟ شايفة اللي كنت فاكر إن العرف بالفهلوة وبورسعيد هيغنيني عنها؟ هي اللي بتأكلنا وتسترنا بعد ما طردونا من بيتنا، ومراتي الثانية سرقتني ورمتني في التخشيبة، وأصحاب الشيكات جردوني من حيلتي!”
وفي يوم، وأنا قاعدة جنبه بغير له على الجرح، الموبايل بتاع مرات ابني رن برة في المطبخ.
سمعنا صوت المحامي بتاعها بيتكلم بصوت حاد ومتحمس. لحظات والباب بتاع الأوضة اتفتح، ودخلت مرات ابني ومعاها المحامي والمديرة.. كان في إيد المحامي حافظة مستندات سوداء تقيلة، ووشه ينطق بمفاجأة من العيار الثقيل هتهز كل الأوراق المتبقية.
المحامي قعد على الكرسي وبص لابني الراقد على السرير، وبعدين بص لي وقال بلهجة قطعية:
— “يا جماعة.. إحنا كنا بنفحص أوراق الشيكات والديون القديمة اللي بسببها الصادر حكم بمزاد العمارة والبيت اللي اتطردتم منه.. ولما تتبعنا أصل الشركات الشاكية والمبالغ المكتوبة، اكتشفنا حاجة تهز القضية كلها!”
ابني اتعدل بنصف جسمه بالعافية وهو ينهت:
— “حاجة إيه يا أستاذ؟ الشيكات دي أنا كتبت جزء منها وأنا هربان بس المبالغ المكتوبة في المحكمة كانت أضعاف أضعاف اللي استلفته!”
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وطلع ورقة مائية رسمية مختومة من الطب الشرعي ومباحث الأموال العامة وقال:
— “بالظبط! الزوجة الثانية اللي اتجوزتها في بورسعيد في السر، ومعاها المحامي بتاع الشركة القديمة، زوروا صلب الشيكات دي وضاعفوا المبالغ عشر مرات، وزوروا توقيعات إضافية عشان يستولوا على العمارة بالكامل ويبيعوها في المزاد العلني لحسابهم الخاص لحساب شركة وهمية أسسوها برة المحافظة!”
صرخت أنا وابني في نفس اللحظة: “إيييه؟ زوّروا الشيكات؟”
المحامي كمل كلامه وثباته يدرس:
— “أيوه.. وتقرير الطب الشرعي الصادر اليوم أثبت التزوير بالكامل! وبناءً عليه، النيابة العامة أصدرت قرار فورياً بوقف المزاد العلني على العمارة، والتحفظ على الزوجة الثانية ومحامي الشركة بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء على ممتلكات غيرهم.. والعمارة والبيت راجعين رسمياً لحيازة الزوج والأولاد خلال أيام قليلة بعد إنهاء الإجراءات!”
القاعة والأوضة سكتت سكتة يرعب.. ابني بص لمراته بعيون مليانة دهشة ودموع، وأنا بقيت ألطم على صدري ومش مصدقة. العمارة راجعة؟ البيت اللي أطردنا منه راجع؟
ابني مسك إيد مراته وشها، وهو بيبكي بكاء هيستيري ويصرخ:
— “يا أم فلان! العمارة راجعة! حقنا رجع! والست النصابة اللي هربت للباطل اتفضحت! سامحيني يا أم فلان.. والله العظيم هكتب لك العمارة كلها باسمك وباسم العيال، والله ما هبص لغيرك ولا هخرج من طوعك طول عمري! أرجوكي رجعي لي بيتي وعيلتي سامحيني!”
أنا كمان نزلت على ركبي قدامها، مسكت إيدها وبكيت بحرقة:
— “سامحيه يا بتي.. سامحينا إحنا الاثنين، ربنا كشف الظالمين ورجع الحق لأهله بفضل دعاكي وشقاكي.. تعالي نرجع بيتنا ونفتح صفحة جديدة، والله لأكون لك خادمة تحت رجليكي طول العمر!”
مرات ابني بصت للكل.. بصت لابني المريض الراقد على السرير، وبصت لي أنا وأنا جاعية تحت رجليها، وبصت للورق الرسمي اللي في إيد المحامي.
ما طارتش من الفرحة، ولا صرخت، ولا أترمت في حضن جوزها.. وقفت بثبات وهدوء، وأخدت نفس طويل المدى، مسحت دمعة واحدة نزلت من عينها على خدها، وقالت بصوت هادي كأنه صادر من قاع البئر:
— “العمارة ترجع لأصحابها ولولادي بقوة القانون.. أما أنا، فالقرار الأخير والنهائي اللي هاخده النهار ده مش هيبقى عن البيت ولا عن الفلوس.. القرار ده هيكون عن حياتي أنا وعيالي اللي جاية، وهو القرار اللي محدش فيكم هيقدر يغيره أو يراجعني فيه!”
ساد السكوت الأوضة، النفس انقطع والعيون كلها اتعلقت بشفايفها. ابني على السرير واقف قلبه من الخوف، عيون مليانة ترجي وانكسار، وأنا تحت رجليها مستنية الكلمة اللي هتحسم مصيرنا وتحدد يعيش كيف اللي باقي من عمرنا.
بصت مرات ابني لابني الراقد مكسور الجناح، وبصت لي وأنا جاعية في التراب، وبعدين التفتت لعيالها الاثنين اللي كانوا واقفين جنب الباب باصين لأمهم بفخر واعتزاز. بلعت ريقها وقالت بصوت هادي، حاسم، طالع من قلب اتعجن بالوجع واستوى على نار الصبر:
— “العمارة والبيت هيرجعوا باسم العيال، وده حقهم اللي ربنا رده ليهم وما حدش يقدر ياخده منهم. لكن بالنسبة لي أنا يا ابن حماتي… أنا بطلب الطلاق الرمسي والنهائي النهار ده وقبل ما نخرج من الأوضة دي.”
ابني صرخ من على السرير كأن رصاصة دخلت صدره:
— “لا يا أم فلان! طلاق إيه؟ أنا اتعلمت الدرس، أنا أتعجنت واتفركت في السجن والمرض، والباطل اتكشف! والله لأعيش خدام تحت رجليكي أنتِ وأمي، والله ما هبص لبره تاني ولا أزعل لك طرف!”
ردت عليه بنبرة ما فيهاش نقطة غضب ولا غل، نبرة ست شافت الموت بفي عينها وتجاوزته بكرامتها:
— “الدرس أنت اتعلمته متأخر قوي يا فلان.. اتعلمته لما المرض هدك، ولما المحاكم طوقتك، ولما اللي جريت وراها سرقتك ورمتك في التخشيبة. أنت ما افتكرتنيش غير لما الأبواب كلها اتقفلت في وشك. أنا صنتك في غيابك خمس سنين، أكلت اللقمة بدموعي، واشتغلت داده وتفريز وحافية الأقدام عشان أرفع رأس عيالك وما أمدش إيدي لحد.. وأنت في ده كله كنت بتهرب وتزور وتتجوز عليا وبترميني للشارع.”
التفتت لي أنا، وبصت في عينيا بكسرة حزن شفافة وقالت:
— “وأنتِ يا حماتي… أنا مسامحاكي لوجه الله تعالى عن كل لقمة استكثرتيها على عيالي، وعن كل صينية أكل أخدتيها بقسوة وأنتِ بتقولي لي ‘الشارع يسعكم’.. مسامحاكي عشان أنتِ ست كبيرة، وعشان خاطر ربنا اللي أطعمني وسقاني وسندني لما الكل اتخلى عني. لكن القلوب لما تتكسر وتتداس بالإيدين، ما بترجعش تاني زي الأول.. بيتكم هيرجع لكم، وأنا عيالي هيفضلوا في حضني، هربيهم من عرق جبيني ومن المطبخ اللي ربنا فتحه لي من وسع.”
المحامي والمديرة بصوا لها باحترام وتقدير هز الكيان، المحامي هز رأسه وقال لابني:
— “الزوجة ليها كامل الحق يا فندم، وبناءً على طلبها والتمكين الرسمي، إحنا هنبادر بإجراءات الطلاق للضرر مع حفظ كافة حقوقها الشرعية ونفقة الأولاد اللي هتتدفع من إيراد العمارة.”
ابني غطى وشه بكتفيه وبدأ يبكي بكاء مر وفي هيستيريا، بكاء الندم على الجوهرة اللي كانت في إيده وفرط فيها بجهله وقسوته.. وأنا قعدت في الأرض أضرب كف بكف، وعرفت إن أكبر عقاب ربنا بيبعته للظالم، مش إنه يحرمه من نعمه، لكن إنه يخليه يشوف النعمة وهي بتضيع من إيده بعد ما يعرف قيمتها وما يقدرش يلمسها تاني.
مرت الأيام والشهور…
العمارة رجعت رسمياً، وابني خف من مرضه بس خرج من التجربة دي راجل تاني خالص؛ مكسور النفس، ضهره انحنى، عايش في شقته القديمة فوق لوحده، بيطلع معاشه المصروف بالعافية لنفقة ولاده، وبيشوف عياله من أسبوع لأسبوع بالحديث والأدب.
أنا رجعت قعدت معاه في الشقة الفاضية، الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مالية الدنيا بصوتي وقسوتي. بقيت كل يوم الصبح، أقف في البلكونة بصة على الحديقة الأرضية تحت…
أشوف مرات ابني — أو “الست أم فلان” زي ما الحي كله بقى يسميها بتبجيل — واقفة في وسط مطبخها الكبير، الضحكة على وشها، العربيات رايحة جاية تحمل أوردرات المحشي والتفريزات للمدارس والفنادق، وعيالها طالعين نازلين حواليها لابسين أنضف لبس وداخلين أحسن مدارس، ورأسهم مرفوعة بين الناس.
ساعات كنت أنزل السلم ببطء، أقف على باب المطبخ من بره، بكسرة خفيفة وأدب ما كانش فيا زمان، أقولها بصوت واطي:
— “صباح الخير يا أم فلان… محتاجة مساعدة في تقشير بصل ولا تلفي معايا صينية؟”
تبتسم لي بوقار، وتقعدني على كرسي دافي، وتحط قدامي الفواكه والأكل الدافي وتغديني بأحسن أكل، وتقول لي بالراحة:
— “ارتاحي يا حماتي.. الخير كتير والحمد لله، وأنتِ مقامك على رأسنا من فوق.”
أقعد آكل اللقمة، والدمعة تنزل من عيني بس المرة دي دمعة رضا وندم متأخر.. اتعلمت إن القوة مش في قساوة اللسان ولا في أكل شقا الضعيف، القوة الحقيقية في الصبر والكرامة واللقمة الحلال اللي بتتبنى بالعرَق والدعاء.. وإن اللي يستقوي على يتيم أو ست غلبانة، الأيام ببتدور وبترد له الصاع صاعين، والظالم مهما استعلى، مرده يركع تحت رجلين اللي ظلمهم وهو بيطلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *