بعد ما خسرت ابني اللي لسه مولود
بعد ما فقدت ابني اللي يادوب كان لسه مولود، كل الحاجة اللي كنت اشتريتها له وجمعتها بفرحة، خدتها وإدتها لست مسكينة كانت قاعدة في الشارع وشايلة طفلها بتستجدى بيه الناس… بس اللي حصل تاني يوم الصبح كان بره أي عقل؛ صحيت ولقيت جنينة البيت مليانة بعشرات عربات الأطفال المصنوعة من كل شكل ولون، وفي كل عربية صندوق مقفول وراه سر وحكاية أعمق بكثير من اللي كنت أتوقعه.
شمس الصباح دخلت بالراحة من ورا ستاير أوضة “ياسين” اللي غطاها التراب، ورسمت خطوط ضيور باهتة على السرير الصغير… السرير اللي ابني عمره ما نام فيه ولا ليلة.
وقفت عند باب الأوضة… مش قادرة أدخل، ولا قادرة أبعد وأمشي.
فات تلت أسابيع من يوم ما راحت روحي مني في المستشفى. كانت
هدومه المطبقة لسه زي ما هي فوق تربيزة الغيار. الحفاضات بالعلبة مقفولة، وعربية الأطفال لسه جوة كرتونتها جنب الدولاب. كنت أنا وجوزي “سامح” جمعناها في ليلة وسِقناها في الصالة بنضحك وبنجربها، وحطينها تاني في الكرتونة على أمل ويرجع لينا “ياسين” بسلامة… بس ياسين مرجعش، وسامح هو كمان ممشيش غير لما كسرني.
من أسبوع بس، دخلت أوضة النوم لقيته بيلم هدومه في الشنطة.
قلت له وأنا مش مصدقة:
— أنت ماشي بجد يا سامح؟ وسايبني؟
ما رفعش عينه عن الشنطة وقال بصوت مخنوق وتعبان:
— مش قادر أقعد في البيت ده… كل ما أعدي من جنب أوضة الولد بحس إن حيطانه بتطبق على صدري وبتموتني بالبطيء.
صرخت فيه:
— ده كان ابنك أنت كمان يا سامح!
رد وهو بيقفل السوستة:
—
وعشان كده بالذات… مش قادر أبص لأي حاجة تفكرني بيه!
قربت منه والدموع مغرقاني:
— هتمشي وتسيبني في ظروفي دي؟ بعد أسبوعين بس من دفن ابننا؟!
قال وهو بيتفاداني:
— ترجيتك من أسابيع تقفلي الأوضة دي وتفضي اللي فيها… وأنتِ صممتِ تسبيها زي ما هي!
همست:
— عشان دي أوضته… أنا لسه مش مستعدة أرمي حتة منه.
هز رأسه بألم وقال:
— دي مابقتش أوضة طفل يا شيرين… دي بقت تربة مقفولة علينا بتموتنا كل يوم.
انفجرت في البكاء:
— وأنت فاكرني مش بموت؟! ده أنا اللي شيلته في بطني تسع شهور، كنت بحس بحركته كل ليلة، وفي الآخر يخرج للدُنيا ويروح مني قبل ما ألحق أضمه لصدري!
اتنهد بقسوة وقال:
— أنتِ عاوزة البيت يفضل مزار لشبحه؟ أنا خلاص حيلتي اتهدت.