عيال جوزي حطوا عينهم في عيني

​نظر إليّ الضابط بنظرة هادئة بعد أن زال الشك عني، وقال: “تقدري تتفضلي يا مدام كريمة.. ربنا يكون في عونك، الحادثة كبيرة.”

​ركضتُ إلى مستشفى الحروق بالدقي. رائحة الممرات المقبضة وصوت الأجهزة الطبية كانت تزيد من دقات قلبي. وقفتُ أمام زجاج العناية المركزة.. ليلى كانت تنام هناك، وجهها الجميل المغرور مغطى بالضمادات البيضاء، وجسدها موصل بأنابيب التنفس. وفي الغرفة المجاورة، كان حازم، الشاب الطويل العريض الذي كان يصرخ في وجهي بالأمس، يرقد بلا حول ولا قوة، والرماد لا يزال عالقاً بأطراف شعره.

​دخلتُ إلى طبيب الرعاية، سألته بلهفة وأنا أرتجف: “أرجوك يا دكتور.. طمني عليهم.. هما عيالي.. أنا اللي مربياهم.”

​نظر إليّ الطبيب بأسى، وهز رأسه ببطء: “البنت ليلى حالتها شبه مستقرة، الحروق من الدرجة الثانية وهتعدي منها إن شاء الله.. بس الشاب حازم.. حازم استنشق كمية أول أكسيد كربون ضخمة وهو بيحاول يكسر الباب عشان يخرج أخته وأبوه.. الرئة عنده شبه منتهية، والحروق مغطية 60% من جسمه.. هو عايش على الأجهزة، والـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.”

​جلستُ على مقعد في الممر الصامت، وضعتُ رأسي بين يدي وبكيتُ.. بكيتُ كما لم أبكِ من قبل. مات جلال بخوفه وأنانيته، وماتت ولاء ب طمعها وغِلّها، وبقيتُ أنا هنا.. مع عيال جوزي الذين طردوني بالأمس من بيتي وقهروا قلبي. لم أعد أفكر في الشيكات، ولا في الفيلا المتفحمة، ولا في النصر الذي حققته على جث..تهم.. كل ما كنت أتمناه في تلك اللحظة هو أن يفتح حازم عينيه ويصرخ فيّ مجدداً، بس يعيش.

​مرت الساعات ثقيلة كالجبال. وفي تمام الساعة الرابعة فجراً، خرجت الممرضة من غرفة حازم مسرعة وهي تصرخ: “دكتور! دكتور بسرعة.. الحالة بتنعش والنبض بيقع!”

​انتفضتُ من مكاني وركضتُ وراء الأطباء الذين اندفعوا إلى داخل الغرفة بصدمات الكهرباء. وقفتُ خلف الزجاج أراقب جسد حازم وهو ينتفض مع كل صدمة، ودموعي تسيل بلا توقف.. كنت أدعو من كل قلبي: “يارب خذ من عمري وديله.. يارب أنا مسمحاهم.. بس يعيشوا.”

​وفجأة.. هدأ الجهاز، والتفت الطبيب نحو الممرضة وهز رأسه بقلة حيلة، ثم نظر إليّ من وراء الزجاج وخلع كمامته الطبية ببطء.

​في نفس اللحظة، شعرتُ بلمسة باردة على كتفي.. التفتُّ بفزع، فكانت ليلى! كانت قد فاقت وخرجت من غرفتها تجر حامل المحاليل الطبية بجسدها المرتعش ووجهها المربوط بالضمادات.. نظرتْ إليّ بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت مبحوح يمزق القلوب: “طنط كريمة.. حازم مات؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *